السياسيةعاجل

نبيل أديب : بلغنا المرحلة قبل الأخيرة من التحقيقات بفض الاعتصام وهذا ما يؤخر عملنا – (حوار )

أكد الخبير القانوني نبيل أديب -للجزيرة نت- أن لجنة التحقيق في فض الاعتصام استمعت إلى أكثر من 3 آلاف شاهد، وشملت التحقيقات جميع القادة العسكريين ومن بينهم رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان (حميدتي).

قناة الجزيرة – عمار عوض
كشف رئيس لجنة التحقيق في فض الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش السوداني في الثالث من يونيو/حزيران 2019، نبيل أديب، عن تأثر كبير لأعمال اللجنة بعد استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

وقال أديب -في حوار خاص مع الجزيرة نت- إن غياب الحكومة أثّر خاصة على عمل لجنة الخبراء الأجانب لفحص الأدلة المادية؛ وهي المرحلة قبل الأخيرة من نهاية التحقيقات، التي أكد أن نتائجها لن تُسلّم إلا عند وجود رئيس وزراء للبلاد.

وبيّن أديب أن اللجنة بالاستناد إلى جميع الأدلة من شهادات ومستندات محفوظة، استمعت إلى أكثر من 3 آلاف شاهد. وشملت التحقيقات جميع القادة العسكريين وقت وقوع الجريمة، ومن بينهم رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان (حميدتي). وطالب السلطة القائمة بتسليم 4 متهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور، من بينهم الرئيس السابق عمر البشير، للمحكمة الجنائية الدولية فورا.

وبخلاف الموقف الجماهيري العام من الأزمة الحالية، طالب أديب بالعودة إلى الوثيقة الدستورية التي كانت تحكم البلاد قبل استيلاء العسكر على السلطة في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وقال إن عودة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك مطلوبة لاستعادة المسار الدستوري، “فليس هناك أي طريق للحل إلا بالعودة إلى الوثيقة الدستورية ومن ثم إجراء تعديلات عليها”.

وهذا نص الحوار:

ما مصير عمل لجنة فض الاعتصام؟ وإلى أين وصل التحقيق؟
ما زلنا نعمل، والآن دخلنا في مرحلة الاستعانة بخبراء أجانب لفحص الأدلة المادية، وهذه المرحلة بلغناها منذ شهر مايو/أيار الماضي، وتعتمد كثيرا على وجود حكومة مدنية وعلى الدعم اللوجستي الذي تقدمه هذه الحكومة، خاصة أنها هي التي تعاقدت مع الخبراء وتتولى أيضا المسائل المالية.

وفي أثناء عملها وقع “انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول”، ولم تعد هناك حكومة مدنية. نحن لجنة شكلها رئيس الوزراء، وبعد استقالته أصبح العمل معقدا، ويحتاج إلى اتصال يومي مع اللجنة للحصول على دعم الحكومة.

كيف تعمل اللجنة بعد استقالة رئيس الوزراء؟ وما تأثير غيابه؟
تعاقُدنا مع رئيس الوزراء ليس شخصيا، وتكوين اللجنة أتى بموجب الوثيقة الدستورية، وقرارت رئيس الوزراء لا تذهب معه بل تظل ملزمة للدولة وللخاضعين لها.

ومن ثم، فاللجنة ما زالت موجودة، لكن غياب الحكومة يؤثر علينا في الحصول على الدعم اللوجستي من معدات وأدوات وسلطة لإعطاء الخبراء صلاحيات الوصول للأماكن المهمة لإكمال عملهم، وهذا هو التأثير الأكبر لغياب الحكومة.

وقد أنجزت اللجنة بعض الأعمال وبعضها الآخر قيد البحث، ولكن العمل ليس بالوتيرة الأولى لأن احتياجات اللجنة مرتبطة بوجود الحكومة التي يتوقف عليها وجود كثير من الأعمال.

ما مصير الأدلة التي جُمعت من فيديوهات وشهادات؟ وهل يمكن أن تضيع في ظل التغيرات الماثلة؟
هي محفوظة في حرز آمن، وبالأساس لا يطلع أحد على نتائج التحقيق ولا تفاصيله حتى أثناء وجود رئيس الوزراء، وهو لم يطلب ذلك ولكن كان يسألنا فقط إذا كنا بحاجة إلى زمن إضافي ونطلعه بشكل عام على تطوّر التحقيق، ولكن كل هذه التحقيقات تجري في سرّية كاملة، وغير متاحه لأي شخص خارج اللجنة.

ما نظام حماية الشهود في ظل الحديث عن استهدافهم؟ وهل تعتقد أن منهم من استهدفته يد القتل في الأحداث الأخيرة؟
أنا من الآخر أقول لا أعرف شهودا مسّتهم الأيدي لأنني لا أعرف أسماء الشهود، ولا أعرف إذا كان ممن قُتلوا من هو ضمن مجموعة الشهود أصلا، لكن دعنا ننظر إلى القصة بعقلانية لأن “ما يدور في الإعلام أمر غير عقلاني ولا يخلو من صفاقة والقصد منه تعطيل عمل اللجنة”.

لماذا يُستهدف أي شخص؟ هل فقط لأنه شاهد؟ نحن نتحدث عن 3 آلاف شاهد، هل يمكن استهدافهم كلهم؟ هذه عملية مجرد التفكير فيها مثير للرثاء. وما أنا متأكد منه أنه ليس لدينا كشف بالشهود يمكن تسليمه لأي جهة، ولكن لدينا شهادات محفوظة في أمان.

هل حققتم مع العسكريين الذين كانوا على رأس اللجنة الأمنية؟ ومن أبرزهم؟
أذكّرك بقاعدة عملنا أن جزءا من حماية الشهود هو عدم الإفصاح عن أسمائهم، خاصة بعد أن نشرنا إعلانا طلبنا فيه من كل من لديه معلومات أن يحضر ليدلي بها.

بعض الناس اتصلوا وقالوا نريد ضمانات لندلي بهذه الشهادة، ولتوفير ذلك، وبدرجة عالية من السرّية وفرنا أرقام هواتف في الخارج للتواصل وتنظيم مقابلاتهم، خاصة مع من يُعتقد أن وصولهم إلى اللجنة أو تواصلهم معها يشكل خطورة عليهم. لذلك كنا ننتدب من يذهب إليهم في المكان الذي يحددونه، وتم توثيق شهاداتهم.

ما كنت لأدلي بأي أسماء من العسكريين، وواقع الأمر أنهم لا يشعرون بأي خطورة، وعلى أي حال حققنا مع جميع القيادات العسكرية الذين كانوا موجودين آنذاك، بمن فيهم أعضاء المكون العسكري في مجلس السيادة قبل حلّه، وبعد إعادة تكوينه، بمن في ذلك برهان وحميدتي والبقية.

سبق أن قلتم إن 80% من التحقيقات انتهت. ما الذي أُنجز فعلا من التحقيق؟
نعم، مرحلة الشهادات انتهت بالكامل، ولدينا بيّنات ومستندات، والمستندات تنقسم إلى مكتوبة وأخرى موثقة بالصوت والصورة، وأيضا هناك أدلة مادية أخرى مثل القبور والجثامين، وكل هذه تحتاج إلى تقييم من الخبراء.

نجحنا في توفير الخبراء ليفحصوا هذه الأدلة، ولا أستطيع تسميتهم لكنهم من خارج السودان، وتم الاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء لتوفير ما نطلب من فحص للأدلة التي حصلنا عليها، وبعد أن تقدم لنا لجنة الخبراء تقريرها، قد نحتاج إلى سماع بعض الشهود ممن لديهم معلومة مباشرة متصلة بذلك، لأن تقارير لجنة الخبراء تحتاج إلى أن نسمع ونستفهم.

هذه لجنة تحقيق جنائية ولم تنشأ بموجب قانون لجان التحقيق للعام 1954، ونعمل بموجب قانون الإجراءات الجنائية وقانون النائب العام. ومن ثم، ينتهي التحقيق باتهامات محددة تُرفع للنائب العام لفتح قضايا ضد المتهمين.

وفي الوقت نفسه نعمل على تحقيق سياسي ومدني تُرفع نتائجه لرئيس الوزراء الذي قد يقرر دفع تعويضات للناس أو يذيع المسؤوليات السياسية لأن تفويضه يشمل ذلك، لكن تفويض النائب العام يتعلق بالتحقيق الجنائي، ولذلك إذا توصلنا إلى أعمال مخالفة للقوانين الجنائية سنصيغ اتهامات ونرفعها للنائب العام.

في ظل عدم وجود رئيس وزراء بعد استقالة حمدوك، هل من الممكن أن تقدم اللجنة تقريرها للجمهور؟
هناك جانبان من التحقيق؛ أحدهما تذهب نتائجه للنائب العام لبدء المحاكمات الجنائية، وجانب آخر سندفع به إلى رئيس الوزراء وليس إلى الشعب السوداني.

ولأن رئيس الوزراء غير موجود الآن، وهذا وضع استثنائي، فوجود منصب في الدستور يساوي رئيس الوزراء هو ما سيحدد لنا إلى أين سنذهب بهذا التقرير.

كما أن لجنة التحقيق لا تعلن نتائج عملها، بل ترفعها للجهة المشكّلة لها وهي من تقوم بذلك. ولجنة التحقيق هي أقل المهام التي تنتظر رئيس الوزراء، ولكن من دونه ليس هناك تقرير سيخرج للعلن.

العديد من الناشطين طالبوا بتحقيق دولي في مقتل نحو 72 متظاهرا بعد استيلاء الجيش على السلطة في 25 أكتوبر/تشرين الأول. برأيك كيف يجب التعامل مع هذه القضية؟
من يطالب بتحقيق دولي عليه أن يفهمنا ماذا يقصد بذلك، لأنها جملة لا تعني شيئا لمن يعملون في هذا المجال، ولأن التحقيق الدولي ينقسم إلى تقصّ للحقائق وتحقيق جنائي مثل ما نفعله نحن في اللجنة.

وفي ما يتصل بتقصي الحقائق؛ تشكّله هيئة دولية مختصة بالحقائق التي تريد التوصل إليها مثل مجلس حقوق الإنسان، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن التحقيق الجنائي تطلبه محاكم جنائية دولية ممثلة بالمحكمة الجنائية الدولية، أو محاكم جنائية إقليمية ذات صفة دولية. وإذا كانوا يتحدثون عن تحقيق أمام المحكمة الجنائية الدولية، فهذا يدخل في تعقيدات الدولة التي تملك سلطة تحويل الأمر.

وفي نظرنا، قتل المتظاهرين يدخل في الجرائم التي يمكن المحاكمة عليها في السودان مثل القتل خارج القضاء، أو ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. والمطالبة بلجان تحقيق دولية الآن فيه انتقاص من سيادة الدولة.

كيف تنظرون إلى بيانات القضاة والنيابة العامة احتجاجا على القتل في المظاهرات؟
هذه المواقف تعطي مؤشرا على أن القضاء مستقل، ويمكن أن يتولى مثل هذه القضايا، وأن النيابة العامة تستطيع اتخاذ الإجراءات المناسبة.

وعلى أي حال، إذا ظهر أي مؤشر على عرقلة من جانب السلطة أو أي منع من الشرطة لعمل الجهات العدلية السودانية، فهناك مجال لتحويل هذه الإجراءات إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ما المطلوب الآن من النيابة والقضاء في ظل استمرار أعمال القتل؟
الشيء الأساسي المطلوب هو قيام ذوي الضحايا بفتح بلاغات ودعاوى جنائية فورية وسريعة، كالتحقيق في قتل أي شخص وفتح بلاغ جنائي بحالته حالا، وإذا ظهرت أي عرقلة للتحقيق تحوّل الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية لأن اختصاصها أصلا تكميلي، بمعنى لا ينعقد لها الاختصاص إلا إذا ثبت أن القضاء الوطني غير راغب أو غير قادر على إنجاز التحقيق المطلوب.

ومن أجل دفن أي شخص تُطلب شهادة وفاة (تصريح بالدفن)، وفي حالة القتل العنيف لا تستخرج له شهادة وفاة إلا مرورا بوكيل النيابة، لأنه هو الذي يقرر إذا كانت ظروف الوفاة تستدعي فتح بلاغ وتحريك إجراءات جنائية، ولكنني حملت المسؤولية لأسر الشهداء للقيام بذلك، فنظام الدولة لا يسمح أن يُقتل إنسان دون فتح تحقيق.

حاليا، ما وضع السودان حيال المحكمة الجنائية الدولية؟
قام السودان بالتوقيع على ميثاق روما المهم لعضوية المحكمة الجنائية الدولية، لكن لم يصادق عليه، واتفاقية سلام “جوبا” نصّت فقط على تسليم المتهمين، وسواء صادق السودان أم لا، فأي تحقيق لا بد أن يتم بإرادته أو بواسطة دولة أخرى من الدول الأعضاء.

ولا تعني مصادقة الدولة على ميثاق روما أن أي جريمة تقع في أرض السودان خاضعة لاختصاص المحكمة الجنائية، لكنها لو صادقت عليه لا ينتقل التحقيق في أي قضية إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية إلا بعد إثبات أن القضاء الوطني غير راغب في اتخاذ الإجراءات أو غير قادر على ذلك.

لكنّ مدعين للمحكمة الجنائية الدولية زاروا السودان بعد الثورة وآخرهم كريم خان قبل وقت قريب
عندما أتى خان لم يتحدث عن مصادقة السودان فقط، بل كان لديه متهمون يريد تسلمهم، وقدم تقريرا لمجلس الأمن قبل أيام يقول إن الحكومة السودانية غير متعاونة، وهو يتحدث عن قضية يريد إكمالها.

هل تؤثر استقالة رئيس الوزراء في العلاقة بالمحكمة الجنائية وتطورها؟
لا أرى أي سبب لتأخير وعرقلة تسليم المتهمين، يجب على السلطة في السودان أن تسلّم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.

هناك حديث عن عدم جدوى العودة للوثيقة الدستورية، هل تتفق مع هذا الرأي؟ وما التكييف القانوني لهذه المسألة؟
لا بد من العودة للوثيقة الدستورية؛ لأنها الدستور الذي كان سائدا يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول، ولأن من قام بالإجراءات يومئذ لا يملك تعديل الوثيقة الدستورية أو تغييرها.

يجب أن نعود إلى الوثيقة الدستورية أولا، لتصبح الوثيقة الحاكمة للفترة الانتقالية وللسودان في هذه المرحلة، ويمكن تعديل ما تجاوزه الزمن فيها أو تغيير بعض الأوضاع الخاصة وفق الوثيقة الدستورية نفسها فقط.

يجمع المتظاهرون حاليا على عدم العودة للوثيقة الدستورية، وهناك مشاورات مع رئيس بعثة الأمم المتحدة ربما تنتهي بشكل دستوري جديد، ما مشروعية الرأيين؟
هناك فرق بين العودة إلى الوثيقة الدستورية وعودة أعضاء مجلس الوزراء ومجلس السيادة. ويمكن التوصل إلى شيء في ما يتعلق بمجلسي الوزراء والسيادة من حيث إجراء تعديلات وخلافه، لكن بغض النظر عن هذه المطالبات، لا أعتقد أن هناك مجالا لتعديل الوثيقة الدستورية بإرادة المظاهرات، ولا بإرادة المكوّن العسكري أو بإرادة السلطة القائمة؛ فالوثيقة الدستورية لا تُعدّل إلا بموجب أحكامها.

المصدر : الجزيرة

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى