السياسيةعاجل

جريدة لندنية : إضعاف النخب المدنية في السودان يعزز دور المؤسسة العسكرية

العرب اللندينة / التوسع في مهام الجيش في الجزائر والسودان، قاد إلى جفاف سياسي في الحياة المدنية، ولم يترك فرصة للنخب لتمارس أدوارها بحرية، ويمكّنها من التأثير على توجهات المواطنين بطريقة منظمة، وتفرض عليهم الانجذاب لخطابها.

الدول التي تتراجع فيها تأثيرات النخب المدنية تتعزز فيها الأدوار السياسية للجيوش. هذه النتيجة جرى اختبارها مرات كثيرة وفي دول مختلفة، حيث يمنح ضعف الأولى مبررات كافية لتحرك الثانية، بذريعة سد الثغرات وحماية الأمن القومي.

الجديد أن إضعاف المؤسسات المدنية يتم الآن بصورة ممنهجة في الدول التي تقبض فيها الجيوش على مفاتيح الحل والعقد، وكلما طالت فترة وجودها في السلطة زادت القدرة على السيطرة وتهميش الطبقات الحزبية والسياسية والاجتماعية، وربما تغيير ترمومتر المزاج العام لصالح المؤسسة العسكرية، من خلال انخراطها في كثير من نواحي الحياة المدنية، بحيث إذا حدث خلل ما في الدولة لا يجد المواطنون ملاذا أمامهم سوى الاستعانة بالجيش.

التظاهرات التي خرجت في السودان ثم الجزائر، موجهة أساسا ضد نظام الرئيس عمر البشير في الأولى، وضد نظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في الثانية. في الحالتين انصّبت المطالبات الجماهيرية حول شخصية الرئيس، ففي السودان راج شعار “تسقط بس”، وفي الجزائر ارتفع شعاران، أحدهما يقول “احكمونا بغير هذا الرجل”، والآخر “لا للعهدة الخامسة”.

الواضح أن المعارضة في البلدين لا تمتلك خيارات ترشيح بديل مدني جاهز وقوي للبشير أو بوتفليقة، وتعرف أن فرصة نجاحه من الصعوبة حدوثها في ظل النفوذ الممتد للمؤسسة العسكرية في كليهما. ففي السودان وصل دورها المحوري لنحو ثلاثة عقود. وفي الجزائر تمارس أدوارا مركبة منذ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي وحتى الآن، بصور وأشكال متباينة.

الجيوش في المنطقة العربية، استعادت قدرا من زخمها وأعيد لبعضها الاعتبار مع النتائج السلبية التي وصلت إليها دول شهدت ثورات وانتفاضات السنوات الماضية، فدخلت الدول التي انهارت جيوشها تماما نفقا مظلما، ونجت تلك التي حافظت فيها المؤسسة العسكرية على تماسكها من دخول نفق غامض، تتحكم فيه قوى عدة، من الداخل والخارج، وهو ما خلق حالة من الدعم الجديد للجيوش.

الاستفادة تعاظمت في الدول التي تقبض فيها المؤسسة العسكرية على زمام السلطة منذ زمن وبشكل مباشر، مثل السودان والجزائر، وبدأ يتزايد في تلك التي يمارس فيها الجيش دورا سياسيا هامشيا، وبات التعاظم والتزايد في جميع الحالات يحظى بمباركة شعبية، أو على الأقل لا توجد ممانعة قاطعة لدور المؤسسة العسكرية في المجالات المدنية.

المراوحة التي مرت بها بعض الدول في السنوات الماضية، أفضت إلى تكريس الدور السياسي لقيادات الجيوش. وارتفع سقف الطموحات لتوسيع نطاق التغلغل في الحياة المدنية. وبدت هذه خطوة أولى للتخلص من البدائل النشطة، بمعنى تجريف العافية التي تولدت بفعل الثورات والانتفاضات. لأن قتل المجتمع المدني وتشويه رموزه الحزبية يقلصان مساحة الخيارات المتاحة، ويؤديان في محصلتهما إلى اللجوء للمؤسسة العسكرية كضامنة للأمن والاستقرار، وتجنب مواجهة مصير الدول التي دخلت حزام الأزمات والصراعات الأهلية.

في السودان والجزائر، أحرزت هذه المسألة نجاحا ملموسا. ربما يكون الجيش الجزائري أكثر عمقا وتم تكريس دوره لفترة طويلة، لكن السودان مضى مؤخرا في هذا الطريق، بما فرض على الرئيس البشير نقل العهدة السياسية من حزب المؤتمر الوطني الحاكم إلى المؤسسة العسكرية مباشرة.

وهو تحرك أثار حفيظة لدى قيادات في الحركة الإسلامية، كانت تعوّل على الركون للجيش بعد التوسع في أدلجته السياسية، وأقدم الرئيس السوداني على هذه الخطوة لأنه الجهة الوحيدة التي تستطيع التعامل مع ما يجري في بلاده من تطورات متشابكة، وهو مضمون نسبيا من ناحية الولاء والقدرة على حفظ الحد الأدنى من الأمن والاستقرار.

القبضة القوية التي يمارس بها الجيش دوره في السودان والجزائر، لم تترك مساحة لغالبية المواطنين في البلدين للمطالبة برفع يديه عن الحياة المدنية، ولم تظهر لافتات واضحة ترفع شعارا مثل “يسقط حكم العسكر” أو تنادي بتقليص دوره السياسي، وانحسرت المطالبة في تغيير رأسي النظام، وتولد شعور عام أن المؤسسة العسكرية أحكمت سيطرتها على كثير من المجالات المدنية، وتقوم بأدوار تتجاوز الحدود التقليدية.

الحاصل أن التوسع في مهام الجيش في البلدين أو غيرهما، قاد إلى جفاف سياسي في الحياة المدنية، ولم يترك فرصة للنخب لتمارس أدوارها بحرية، ويمكّنها من التأثير على توجهات المواطنين بطريقة منظمة، وتفرض عليهم الانجذاب لخطابها.

مع أن السودان والجزائر يحفلان بعدد كبير من القوى السياسية التاريخية، لكن تصاعد حدة الاستقطاب والتخريب جعلاها خاملة، كما أن سقف الحركة والنشاط أصبح محدودا، ولم يُسمح في أي منهما بتخريج قيادات قادرة على الصمود في مواجهة الأدوات العسكرية، بكل شعابها الأمنية والاقتصادية والسياسية، وتم تقليم الأظافر مبكرا، كي لا تتعلق الجماهير بشخصية معارضة أو تلتف عاطفيا حولها، ولذلك كان تجفيف منابع القوى المدنية أحد الطرق المهمة لهيمنة المؤسسة العسكرية على المجال العام.

الخطورة أن الطريق الذي تخوضه الجيوش التي تلعب أدوارا سياسية في بلادها سيكون طويلا، ولن يقتصر على مد الحياة المدنية بروافد عسكرية، بل بدأ يتجاوز ذلك، وبذريعة الحفاظ على الأمن يجري تنميط المجتمع وعسكرته من خلال تدريب مدنيين في جهات تابعة لجهات أمنية، ومنحهم مزايا معنوية ومادية قريبة من تلك التي يحصل عليها المنتسبون أصلا لها.

الجزائر حققت نجاحا متراكما في هذا المجال، للدرجة التي يتملك فيها المواطنون الشعور بصعوبة التفكير في حل من دون التعاون والتنسيق مع المؤسسة العسكرية، حتى لو تم تقديم وجه مدني قيادي، فدعم هذه المؤسسة ضرورة أساسية، وأصبح الجيش معروفا بأنه صانع الرؤساء بالوسيلة التي يختارها ولا يتم فرض تصورات أو توجهات بعيدا عن إرادته.

بينما في السودان لا تزال التجربة في بدايتها ولم يتم التعمق فيها، وطوال العقود الثلاثة الماضية لم يكن الجيش فاعلا بالصورة التي نراها اليوم، حيث منحه الرئيس البشير مؤخرا الكثير من الصلاحيات، وفوّضه بالتدخل في أمور سياسية واقتصادية مختلفة، تضاف إلى مهامه الأمنية، وكان دوره قاصرا على دعم توجهات الحركة الإسلامية في المجتمع.

لعبة توزيع الأدوار ظهرت تجلياتها الجزائرية في محكات عديدة، أبرزها التمسك بتوجيه الانتقادات للرئيس بوتفليقة فقط، مع أن القوى التي خرجت في الشوارع والميادين ورفضت العهدة- الولاية الخامسة له تعلم تماما أن مفاتيح الحل داخل النظام تملكها المؤسسة العسكرية، والتي يبدو أنها تعلمت من دروس الآخرين عدم التدخل مباشرة، أو بمعنى أدق تهيئة الأجواء السياسية لتكون المنقذ للشعب بدلا من العقدة، ويتم استدعاؤها ولا تفرض نفسها بالقوة الخشنة.

تختلف اللعبة السودانية عن الجزائرية، في نقص الخبرة ودرجة الاحترافية والعقيدة التي تلتزم بها المؤسسة العسكرية، ولدى قطاع عريض من الناس في السودان بعض الشكوك حول المواقف الأيديولوجية التي تسبق الوطنية، عكس الحالة الجزائرية، وهو ما منح الجيش في الأخيرة جانبا مرتفعا من القبول في صفوف المواطنين والثقة في حنكته السياسية.

المؤسسة العسكرية في السودان قد تنجح في تمرير سيناريو تنحية البشير بنعومة وتقديم وجه آخر من داخلها، إذا تواصلت الاحتجاجات في الشارع بالوتيرة ذاتها، لكن الحيلة لن تنطلي على كثيرين ولن يستمر قبولها فترة طويلة ما لم تصطحب معها الوعود بإصلاحات سياسية حقيقية، لأن الجيش لم يتوغل جيدا في الحياة المدنية، لأنه تركها لفترة في عهدة الحركة الإسلامية.

في الجزائر قد يكتفي المواطنون في هذه المرحلة بخروج بوتفليقة من المشهد العام، لأن وجوده بهذه الحالة الصحية المتواضعة يمثل إهانة للشعب، ويظهر مؤسسته العسكرية كأنها نضبت أو توقفت عن صناعة الرؤساء، ما يؤثر سلبا على صورتها كقوة وازنة في جميع مسارات الحياة الجزائرية.

محمد أبو الفضل

العرب اللندنية

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى