السياسيةعاجل

انتشار السلاح وغياب الدولة يثيران مخاوف من عودة الحرب في دارفور

ميعاد مبارك ـ «القدس العربي»: كما هو معتاد في سوق «طويلة «الأسبوعي الذي يبعد نحو 82 كلم شمال غرب مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور غرب السودان، والمعروف عند السكان المحلين بالسوق الكبير، توافد التجار والمواطنون من كافة أنحاء المنطقة للمشاركة في الفعالية التجارية الضخمة التي تحدث كل أسبوع، وتجد رواجاً كبيراً هناك.
إلا أن الأمر لم يمض كما هو مأمول، وسرعان ما هاجمت مجموعات مسلحة رواد السوق وقطعت الطريق بين محلية طويلة ومدينة الفاشر، صباح أول أمس السبت، وقامت بأعمال نهب واسعة، انتهت بمواجهات ذات طابع قبلي.
أحداث دفعت المواطنين إلى «إبلاغ السلطات بعمليات النهب المسلح، وسقوط جرحى في الطريق بين الفاشر وطويلة (لم يتم حصرهم بعد) إلا أن قوات الشرطة بعد تحركها، أبلغتهم أنها لا تملك الوقود الكافي لملاحقة المسلحين» حسب ما قال المتحدث الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين، أدم رجال لـ«القدس العربي».

انهيار أمني

وأضاف: «أعمال العنف والقتل والنهب أصبحت أمرا معتادا في دارفور، في وقت تعجز السلطات عن القيام بدورها في حماية المدنيين» مشيرا إلى أن الإقليم يشهد انهياراً أمنياً واسعاً تفاقم بعد الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

وعلى الرغم من استمرار الشراكة بين العسكر والحركات المسلحة بعد الانقلاب، إلا أن الصراع في دارفور ظل يتجدد ويتفاقم بشكل أكبر.
وبرر بعض قادة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، استمرار الشراكة بينها وبين العسكر، بعد استيلاء الجيش على السلطة بالحفاظ على استقرار إقليم دارفور.
وأعلن عدد من قادة الحركات المسلحة إدانتهم للانقلاب، إلا أن آخرين منهم وزير المالية وقائد حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، وحاكم إقليم دارفور، قائد حركة تحرير السودان مني أركو مناوي، دعموا قادة الانقلاب. ولاحقاً، وصف مناوي، ما حدث بالانقلاب، إلا أنه ظل متمسكا بمقعده كحاكم لإقليم دارفور، مؤكدا أنه جزء من استحقاقات اتفاق السلام.

وحسب المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، قتل نحو 500 مواطن في دارفور، خلال النزاعات القبلية، والاشتباكات بين المجموعات شبه العسكرية التابعة للحكومة، خلال الشهور الستة الماضية، بالإضافة إلى مئات الجرحى وآلاف النازحين الذين يواجهون أوضاعا أمنية وإنسانية هشة.
ونهاية الشهر الماضي، شهدت محلية كرينك شرقي الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، أحداث عنف بين مجموعات شبه عسكرية تابعة للحكومة، راح ضحيتها أكثر من 200 شخص.
وقالت اللجنة العليا المشتركة للترتيبات الأمنية لمسار دارفور في اتفاق السلام، إنها بصدد تنفيذ بند الترتيبات الأمنية الخاص بدمج وتسريح قوات المجموعات المسلحة في الجيش، الذي يواجه بتحديات عديدة، عزتها السلطات لصعوبات إدارية ومالية.

وأعلنت اللجنة أنها ستقوم بتخريج 2000 من قوات الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام، ضمن ترتيبات تكوين قوات حفظ الأمن في دارفور.

والخميس الماضي، انعقد اجتماع الآلية بمشاركة ممثلي بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان (يونيتامس) ومفوضية نزع السلاح وإعادة الدمج ومفوضية العون الإنساني والحركات المسلحة.

وينتظر أن تقوم قوات حفظ الأمن بأدوار حماية المدنيين، والتي نص اتفاق السلام على تكوينها من قوات مشتركة تتضمن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2020، أصدر مجلس الأمن الدولي، قرارا بإنهاء مهام البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة (يوناميد) والتي ظلت تقوم بمهام حماية المدنيين لـ13 عاما.

خطأ فادح

ويعتبر الناشط الحقوقي، عبد الباسط الحاج، أن «إنهاء مهام بعثة يوناميد كان خطأ فادحاً، وأمراً خطيراً للغاية، ظل النازحون في دارفور يتخوفون من حدوثه، في ظل عدم وجود خطة واضحة من الحكومة السودانية الانتقالية لكيفية إحلال قوات حفظ أمن مكان القوات الأممية».
وقال لـ«القدس العربي» إن النازحين «لا يثقون في القوات التي ينتظر أن تشارك في القوات المحلية لحفظ الأمن في دارفور، لأنها شاركت بشكل مباشر في أعمال العنف في دارفور، طوال فترة الحرب التي اندلعت في عام 2003 وراح ضحيتها أكثر نحو 300 ألف شخص بالإضافة إلى أكثر من 2.5 مليون لاجئ ونازح».
وحمل الحكومة السودانية مسؤولية تبعات ذلك، متهما إياها بالمساومة ببعثة يوناميد والتي تتضمن قوات أممية لحفظ الأمن مقابل إنشاء بعثة سياسية خاصة لا تحمل تفويض حماية المدنيين (يونيتامس).
ويتجدد النزاع في دارفور يوما بعد يوم وتتفاقم أعمال العنف، على الرغم من توقيع اتفاق سلام.
وعزا الحاج تجدد النزاع في دارفور لعدم وجود سياسات واضحة وفعالة لمكافحة ظاهرة الإفلات من العقاب، مشدداً على أن «إنهاء مظاهر الحرب في دارفور مرتبط بشكل مباشر بتحقيق العدالة ومحاسبة الضالعين في الانتهاكات».
وأضاف: «السلطات لا تقوم بمهامها في وقت ينتشر السلاح وتستبيح الميليشيات المنتشرة في دارفور القرى والمدن نهارا وأمام مرأى السلطات الحكومية» واصفا الوضع في الإقليم بـ«المختل».
ويعتقد الحاج أن تنفيذ مطلوبات تحقيق العدالة في دارفور، يبدأ بتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية وإصلاح المنظومة العدلية والجهاز القضائي بشكل كامل حتى يكون مجهزاً لإجراء محاكمات داخلية لبقية المتورطين في انتهاكات دارفور.
وأكد على ضرورة جمع السلاح وتكوين جيش وطني موحد تحت قيادة واحدة، مشيرا إلى أن وجود قوات الدعم السريع بشكلها الحالي يعتبر خطرا ينذر بحرب جديدة في دارفور وربما في الخرطوم.
وشدد على أن هذا الوضع غير صالح وغير مهيأ لإقامة العدالة ومحاسبة المجرمين، مضيفاً: «نحتاج إلى وضع جديد تتوفر فيه مقومات الدولة الرشيدة وسيادة حكم القانون».
وحسب الحاج، وضع السودان تحت الفصل السابع قد يساهم في توفير حماية أكبر للمدنيين في دارفور، مشيرا إلى أن السودان بحكم التدابير الأممية سيكون تحت وصاية بعثات الحماية وفرق المراقبة، مشيرا إلى احتمال فرض عقوبات على قادة الدولة حال إثبات تورطهم في أحداث العنف في دارفور.

أسباب عديدة

أما الخبير الأمني، أمين مجذوب، فقد بيّن لـ«القدس العربي» أن تجدد النزاعات في دارفور يعود إلى عدة أسباب؛ أبرزها «الصراع حول الموارد الطبيعية والمعدنية، أبرزها الذهب، والأراضي الخصبة والحواكير والمناطق القريبة من الأسواق والحدود والتي تؤثر على طرق التجارة المختلفة».
وأشار إلى عودة الحركات المسلحة إلى إقليم دارفور بعد توقيع اتفاق السلام، وهي تمتلك هذه المرة صلاحيات وسلطات، الأمر الذي جعلها تتورط في تصفية حسابات وصراعات وجودية مع مجموعات مسلحة ومجموعات قبلية دعمت النظام السابق.
كذلك فإن محاولات إحداث تغيير ديمغرافي في دارفور عبر إحلال مجموعات قبلية وطرد مجموعات قبلية أخرى، من أسباب تجدد الصراع واستمراره، حسب مجذوب، الذي أشار إلى «انتشار السلاح في الإقليم والتجنيد ذي الطابع القبلي وسط القوات النظامية، حيث ظلت الكوادر المسلحة تنحاز بكل عتادها وسلاحها للقبائل التي تنتمي لها خلال النزاعات».
ولفت إلى عوامل جديدة، رأى أنها فاقمت الأوضاع، وهي خروج بعض المجموعات المسلحة السودانية والتي تتبع لدول الجوار من ليبيا ودخولها لدارفور.
والقوات التي تنتمي إلى أفريقيا الوسطى وتشاد والنيجر في معظمها، تحاول إيجاد موطئ قدم في دارفور بعد أن أغلق طريق عودتها إلى ليبيا، وتبحث الآن عن موطئ قدم في دارفور لاعتقادات تاريخية بأن لها حقا في دارفور، تبعاً لمجذوب، مشيرا إلى أن قادة الحركات وقادة المجموعات المسلحة التابعة للسلطات السودانية «فقدوا السيطرة على قواتهم وأصبحت تتحرك وفق إرادتها ووفق معتقداتها ومصالحها، الأمر الذي تسبب في تجدد الصراعات بطريقة نوعية في دارفور، تختلف عن السابق».

ملف أمني

واكد أن «ملف الصراع في دارفور أمني وليس سياسيا» مشيرا إلى أنه ليس فقط امتدادا للصراع على السلطة في المركز، ولكن لتقاطعات وتدخلات إقليمية ومحلية ويجب أن تحسم.

اتفاق تسوية

وبيّن المحلل السياسي حافظ كبير لـ«القدس العربي» أن السكان المحليين في دارفور ينظرون لاتفاق السلام كاتفاق تسوية بين جنرالات حرب في لحظة تاريخية اتفقوا خلالها على الاستحواذ على السلطة بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، مشيرا إلى اللقاء الذي جمع نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع وقتها بقادة الحركات المسلحة التي كانت في أضعف حالاتها عسكريا وسياسيا، وكانت منشغلة بالحرب في ليبيا وقضايا بعيدة عن الشأن السياسي الداخلي.
ويرى أن هذه الحركات تمت تقويتها وصناعة فصائل إضافية داخلها من مجموعات وتحالفات ليس لدى بعضها أي نشاط سياسي وعسكري، مضيفا أن اتفاق السلام فوقي خاطب قضايا النخب أكثر من قضايا المجتمع، وتم استخدامه في الصراع.
وأكمل: دارفور لديها مشاكل قبلية قديمة، بسبب صراع الأراضي والحواكير بين المزارعين والرعاة، مشيرا إلى أن طبقة كاملة من الرعاة إبان الحرب دخلت في العمل العسكري ضمن قوات حرس الحدود والدعم السريع، الأمر الذي ساهم في تغيير معادلة الصراع، حيث تفوقت مجموعات قبلية على أخرى والتي اضطرت للنزوح من أراضيها والتي تمددت فيها مكونات جديدة موالية للسلطة، استولت على مناطق استراتيجية. وتابع: كان من المتوقع بعد توقيع اتفاق السلام، أن تعود للمجموعات التي هجرت من مناطقها، ممتلكاتها وأراضيها، مشيرا إلى أن اتفاق السلام نص على ذلك وعلى تحقيق العدالة، الأمر الذي لم تتوفر الإرادة الكافية من أطراف الاتفاق لتحقيقه حتى الآن.
ولفت كبير إلى أن الحركات المسلحة بعد توقيع الاتفاق وعودتها لدارفور فتحت الباب للتجنيد، فضلاً عن عودة جنودها من ليبيا، في وقت يشهد الإقليم موجة تسليح واسعة، مشيرا إلى ان أطراف النزاع في دارفور مجموعات مسلحة ذات طابع قبلي ولديهم ارتباط بالحكومة بشكل أو بآخر ويمثلون جزءا من السلطة الحالية ومؤسساتها.
ورأى أن غياب مظاهر العدالة وفقدان الثقة في مؤسسة الدولة سيجعلان السكان المحليين يلجأون للثأر، الأمر الذي سيتورط فيه الجنود وفق انتماءاتهم القبلية.
وتوقع كبير أن تعود الحرب في دارفور، لأن القضايا الأساسية لم يتم حلها، مؤكدا أن التركيبة الحالية للسلطة في السودان وفي دارفور، لا يمكن تصور إيجاد حلول حقيقية لأزمة دارفور في ظل وجودها، مرجحا أن تنفصل الجيوش عن قادتها وتعود الحرب بشكل أشرس في دارفور، في ظل السيولة الأمنية والاضطرابات السياسية في السودان ودول جواره غير المستقرة في معظمها.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى