السياسيةعاجل

السودان: العنف في دارفور وانسداد الأفق السياسي يزيدان من حالة الانقسام وسط أطراف السلطة الحاكمة

ميعاد مبارك – «القدس العربي»: مع استمرار حالة الانسداد السياسي التي يعيشها السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتفعت وتيرة تبادل الاتهامات والتبرم من الوضع الراهن في البلاد من قبل أطراف السلطة الحاكمة في الخرطوم. في وقت، أعلنت لجان المقاومة عن تظاهرة مليونية جديدة اليوم الخميس ينتظر أن تتوجه نحو القصر الرئاسي وسط الخرطوم، للمطالبة بإسقاط الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين.
وقالت تنسيقيات لجان مقاومة الخرطوم، في بيان أمس، إنها تخوض ما وصفتها بالجولة الحاسمة لإسقاط السلطة الانقلابية وإخراج العسكر من العملية السياسية تماماً ومحاكمة كل المسؤولين عن العنف والقتل وإطلاق الرصاص والاغتصاب وكل الانتهاكات تجاه الثوار السلميين والمواطنين الأبرياء المتضررين في محيط المواكب السلمية الرافضة للانقلاب.
وهذه أول تظاهرة منذ انتهاء شهر رمضان الذي قلت فيه وتيرة الحراك الشعبي. وأكدت لجان المقاومة، مواصلتها التظاهرات لاستعادة المسار الديمقراطي وإكمال مهام الثورة السودانية وتفكيك النظام السابق، مشيرة إلى أن الدم السوداني واحد وأن ما يحدث في دارفور وفي جميع أنحاء البلاد من إشعال للصراعات الأهلية والقبلية، هو مشروع السلطة الانقلابية وجميع المتحالفين معها ونظام الرئيس المخلوع عمر البشير للتفريق بين السودانيين والتمكين للانقلاب بتقسيم وجدان الشعب على أساس عنصري وجهوي وإثني.
وحددت تنسيقيات لجان المقاومة القصر الرئاسي، وجهة لتظاهرات اليوم المركزية، وقالت: “نتجه نحو (قصر الشعب) متوحدين من أجل تحقيق مصالح شعبنا التواق للتغيير وبناء دولة المواطنة وسيادة حكم القانون والمؤسسات، لا مساومة مع هذه السلطة الانقلابية ولا تسوية معها ولا شراكة، ليس أمامنا إلا إسقاطها والمضي نحو المستقبل”.
وفي الجانب الآخر، يتواصل تبادل الاتهامات بين أطراف السلطة الحاكمة في الخرطوم، في ظل تصاعد الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد. وظل القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، يؤكد على التوافق بين الجيش وقوات الدعم السريع، لافتاً إلى أنها تقوم بدور هام في حماية البلاد.
ألمح نائب، وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى عدم كفاءة القيادة العسكرية في البلاد. وقال إن السودان لو كان فيه رجل عسكري مثل الرئيس الأسبق جعفر نميري لما حدث الذي حدث في البلاد، مؤكداً أنه لو كان موجوداً كانوا سيقومون بتسليمه السلطة فوراً.
وأضاف: “نميري لو خرج من قبره كنا سنحمله ونضعه في الكرسي لأنه كان (زول كارب قاشو) -عبارة تستخدم لتوصيف العسكري القوي- الأمر الذي أثار حفيظة الجيش لجهة اعتباره إهانة لقادته الحاليين، في وقت تسري حالة من عدم القبول لحميدتي وقواته التي شكلها الرئيس المخلوع عمر البشير من مجموعات إثنية مسلحة لمساندة قواته في حرب دارفور وتضخمت لاحقاً لتصبح قوة مستقلة عسكرياً واقتصادياً تكاد تكون موازية للجيش.
وعلى الرغم من الاتهامات الموجهة لقوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي في أحداث غرب دارفور الأخيرة والتي قتل خلالها نحو 200 شخص ونزح الآلاف، ألقى حميدتي بلائمة الأوضاع هناك على حالة عدم الثقة بين الجيش والحركات المسلحة، وطالبهم بالجلوس والتوافق على تنفيذ الترتيبات الأمنية.
وطالب الأطراف السودانية بعدم التشاكس، مؤكداً أن القوات النظامية لو لم تنحاز للثورة كان البشير سيكون موجوداً حتى الآن.
وخلال تجمع لأطراف السلطة في منزل حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، في مدينة أمدرمان غربي العاصمة الخرطوم، ثاني أيام العيد، والتي كانت دعوة اجتماعية سرعان ما حولها الاحتقان بين تلك المكونات إلى مباراة سياسية، ألقى فيها كل جانب باللائمة على الآخر.
وقال حميدتي مخاطباً المجتمعين في منزل مناوي، لو لم تدخل المطامع والتآمر والنفاق كانت البلاد مضت للأمام.
وأضاف: “كان المجتمع الدولي موجوداً إبان حرب دارفور ووضع السودان وقتها في البند السابع وكانت القوات المشتركة للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة (يوناميد) موجودة ومع كل ذلك كانت دارفور تعاني من النزاعات ومات المئات”، مؤكداً أن ما يحدث هناك مصطنع ومعروف من يقوم به على حد قوله.
وتابع: “السودان واسع لكن كل شخص لديه رأي في الآخر ويحاول الإيقاع به”.
إلى ذلك، طالب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بالإسراع في إجازة قانون حكم إقليم دارفور، ووضع القوات الأمنية هناك تحت سلطة حكومته حتى لا تحدث المزيد من المجازر، على حد قوله. وشدد مناوي، على أن عدم الاستقرار في دارفور وكل أنحاء البلاد انعكاس للمشاكسات والخلافات في العاصمة الخرطوم.
واستعرض مناوي خلال كلمته، حكاماً سودانيين سابقين وامتدح قدرتهم على إدارة الدولة. فيما بدا عضو مجلس السيادة ورئيس الجبهة الثورية الهادي إدريس، خلال مخاطبته البرنامج، مختلفاً مع رؤية حميدتي ومناوي، مؤكداً أن أزمة البلاد ليست أزمة أشخاص وإنما أزمة غياب مشروع وطني.
وقال: “نحن كنخب سياسية ظللنا نفشل في التوافق على مبادئ تأسيسية لدولة حديثة لذلك تستمر حلقة الثورات التي تتبعها ديمقراطيات غير مستقرة يلحقها انقلاب عسكري، مشدداً على وجوب كسر هذه الحلقة بالتوافق حول مشروع وطني جامع”.
واستنكر إدريس، ألا تهز المذبحة التي حدثت في غرب دارفور ومقتل أكثر من 200 شخص في ساعات، الضمير القومي، مطالباً بتحقيق شامل وحقيقي لمعرفة ما حدث هناك.
وأضاف، موجهاً الحديث لحميدتي، ومناوي: “ما حدث في دارفور يجب ألا يمر ويجب أن نعرف المتسببين في كل ذلك القتل ومن خطط له وما هي أهدافه”. وتابع: “تصوير عمليات قتل الناس في أحداث غرب دارفور الأخيرة، ثقافة جديدة، يقصد بها القاتل إثارة الآخر الذي لم يقتله وهذا آمر خطير يجب الوقوف عليه”.
وأكمل: “نحن مسؤولون عن كل شيء يحدث في كل أنحاء البلاد وفي دارفور، وإذا فشلنا في التحقيق في ما حدث هناك سيفتح ذلك الباب أمام تدخل دولي لكشف الحقائق، نحن أمام تحد كبير ونحتاج للجنة وطنية محايدة، للقيام بذلك”.
وأكد إدريس على ضرورة ألا يتكرر ما حدث في غرب دارفور في أي مكان في السودان. وشدد على أن ما يحدث في الخرطوم يؤثر على الأوضاع في دارفور وضرورة الحوار لوضع مبادئ تأسيسية للدولة السودانية، حتى لا يتواصل عدم الاستقرار وإهدار الموارد الوطنية التي كان يمكن توظيفها لنهضة البلاد.
في المقابل، يبدو أن عضو مجلس السيادة العسكري، والرئيس المستقيل للجنة إزالة التمكين، ياسر العطا، يمضي في اتجاه آخر، حيث أكد على نزاهة المجلس المركزي للحرية والتغيير، مشيراً إلى أن قضيتهم الأساسية هي تحقيق مهام الثورة ولا يهمهم شكل الحكومة أو إن كانت من تكنوقراط أو غيره، وأن المهم تحقيق الوثيقة الدستورية.
الأمر الذي لا يبدو متسقاً مع خطاب القادة العسكريين الآخرين الذين ظلوا يكيلون الاتهامات لقادة المجلس المركزي للحرية والتغيير، الخطاب الذي تأسس عليه انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وما بعده.
وفي وقت وجهت السلطات عقب الانقلاب تهماً بخيانة الأمانة لأعضاء لجنة إزالة التمكين من قوى الحرية والتغيير، قال العطا في حوار مع قناة سودانية 24، ثاني أيام العيد: أقولها بكل صدق وأمانة وللتاريخ أعضاء لجنة إزالة التمكين عضو مجلس السيادة السابق ونائب رئيس اللجنة محمد الفكي ووزير شؤون مجلس الوزراء السابق-عضو اللجنة خالد عمر ومقرر اللجنة وجدي صالح وقادة الحرية والتغيير الآخرين كانوا من أنزه وآمن الناس.
وأضاف: “تواصلت مع كل القوى السياسية في إطار التوافق والتشاور ما عدا الحزب الشيوعي الذي أسعى للقائه قريباً”. وتابع: “أقول لكل قوى الثورة للديسمبرين وملوك الاشتباك وغاضبين: لا نكرهكم”.
وفي الأثناء، أعلنت الآلية الثلاثية للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وإيقاد، عن جولة للحوار بين الأطراف السودانية منتصف الشهر الجاري، رفضت الانخراط فيه لجان المقاومة وتجمع المهنيين، بينما وضع المجلس المركزي للحرية والتغيير شروطاً لقبوله أبرزها رفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين وأن يكون الهدف من الحوار إنهاء الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين.
والأسبوع الماضي، زار وفد غربي رفيع البلاد التقى السلطات العسكرية وبعض القوى الثورية الرافضة للانقلاب ومجموعات سياسية أخرى مساندة للانقلاب.
وأكد الوفد الأوروبي دعمه للحوار المنتظر للآلية الثلاثية، مؤكداً على ضرورة إنهاء حالة الانقلاب واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي في البلاد.
وشدد الوفد الغربي على أن الدعم الاقتصادي المعلق منذ الانقلاب سيتوقف حال لم يتم التوافق على حكومة انتقالية مدنية.
ويرى المحلل السياسي ماجد محمد علي الذي تحدث لـ”القدس العربي” أن الاتهامات المتبادلة بين أطراف المجموعة الانقلابية تؤشر على قرب تفككها على أساس تضارب المصالح، معتبراً ذلك نتيجة متوقعة في ظل التناقضات الواضحة بين الحركات الدارفورية والدعم السريع والعسكريين.
وأضاف: “كان الهدف الرئيسي الذي يجمع قادة الانقلاب، هو تغيير مهام المرحلة الانتقالية بشكل كامل وبسط سيطرتها على مؤسسات الحكم الانتقالي والقضاء على الثورة وبرامجها، لكن التنافس على القيادة أولاً ثم مراكز النفوذ في الدولة وأجهزتها، وحول التحالفات الخارجية الداعمة للانقلاب وموارد البلاد مثل الذهب وسع الانشقاقات بينها”.
وتابع: “تزايد الانشقاقات بين هذه المجموعة، التي لا تملك حتى الآن رؤية مشتركة لكيفية تنفيذ اتفاق جوبا أو معالجة ملف الميليشيات، والاتهامات المتبادلة مؤشر واضح على قرب وقوع مواجهات بين أطراف المجموعة الانقلابية”.
ويرى أن التطورات على جبهة الانقلابيين ستدعم موقف قوى الشارع التي ترفض التعاطي مع الجهود الدولية الهادفة لحل المشكلة والتي ترفع شعارات “لا تفاوض ولا مشاركة ولا مساومة”.
وتوقع استمرار وتصاعد المواجهات بين الثوار والانقلابين وتزايد الضغط الدولي عليهم في الجلسات الحوارية القادمة، في موازاة صعود للنشاط الثوري بأشكاله المختلفة، لكن ذلك لن يوقف مشاركة بعض القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني عن المشاركة في الاجتماعات التي دعت لها الآلية الثلاثية بعد أيام قليلة، حسب علي.
وأشار إلى أن الحراك الثوري الرافض للانقلاب والتسوية استطاع منع تشكيل حكومة وحجب الدعم المالي الإقليمي والدولي للسلطات الحاكمة في السودان.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى