السياسيةعاجل

الشهيد البرعي معتصم.. مؤذن “الإعتصام” الذي أطلق نداء الفجر الأخير

رسمته – تهاني النميري / الجريدة

تزايدت دقات قلبي عندما اقتربت من منزل الشهيد البرعي معتصم سيف الدين في بحري ، وكان الحزن يُخيم على وجهي وكنت أسمع أصوات حركة الناس والمركبات بعيدة وكأنني في عالم معزول من الناس على الرغم من ازدحام الشارع، وفي تلك اللحظة استعدت شريط ذكريات طفولته التي تابعتها لحظة بلحظة إبان قدوم أسرته من مدني إلى الخرطوم وهو ابن الخمسة أعوام، ولد الشهيد البرعي في العام 2001حيث تربى أمام أعيني في كنف منطقتنا وهو يجري ويلعب حافي القدمين وكان يصيح له الصبية بصوت واحد أثناء اللعب بالقول” البرعي يا المبروك”هكذا ذكرتني به والدته المكلومة زينب عثمان وداعة وهي لا تدري بأنني لم أنسى تلك اللحظات.

رؤية منامية
بدأت زينب متماسكة جداً وصلبة كالجبل تحبس دموعها خلف عيونها الحزينة التي جفت من كثرة البكاء على فلذة كبدها الذي اختاره ربه ليرفعه إليه في صبيحة مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، رسمت على وجهها ابتسامة خفيفة مليئة بالحسرة والألم وهي تروي لـ(الجريدة) قصة صغيرها منذ أن كان بداخلها ولم ير نور الدنيا بعد، قالت إن والده رأى في المنام رؤية يبشره فيها الشيخ الراحل عبدالرحيم البرعي بأنه سيرزق بمولود جديد ومرت على هذه الرؤية فترة طويلة وعلمت أنني حبلى بطفل وأظهرت الموجات الصوتية بعد أربعة أشهر جنس المولود، حيث أظهرت الموجات بأنها (طفلة) وقمت بكل التجهيزات على أساس أنني سأضع بنت، ولكن حدث شئ غير متوقع حيث أنني وضعته ذكراً، فما كان لوالده إلا أن يهلل ويكبر ويقول بصوت عالي “عبدالرحيم البرعي جا” وفعلاً قمنا بتمسيته على اسم الشيخ تيمناً به وبعد أن أكملت (الأربعين (سافرنا خصيصاً إلى الزريبة بمسيد الشيخ البرعي بشمال كردفان وحمله الشيخ وعزم له . وقالت أمه أعوام ابني كان إذا سمع صوت الآذان أثناء الرضاعة ينصت اليه وهو مغمض العينين ومن ثم يواصل الرضاعة ، وكان دائماً ينام على الأرض في السجادة وطلب مني ذات مرة شراء “جلابية وأبريق” وقتها لم يتجاوز عمره الثلاثة أعوام وهو موقعه الرابع بين اخوانه.

حياته المدرسية
حياته أثناء المدرسة الإبتدائية كانت هادئة جداً درس في مدارس انجليزية ولم يستطع مخالطة الأطفال ،وسأله أستاذ ذات مرة: لماذا لم تخرج وتلعب مع زملائك ؟ وقال له” ديل بسبوا الدين يا أستاذ” فاستغرب الأستاذ من الرد وكان يدعى أستاذ هشام ووقتها كان يعاني من ألم في بطنه فوضع البرعي يده على بطنه و”عزم له” وأثناء ماكان يقرأ القرآن ويضع يده على بطنه شعر الأستاذ بتحسن كبير في حالته الصحية وتمت دعوتي إلى المدرسة من قبل الأستاذ وظننت أن ابني قد ضرب أحد التلاميذ وفوجئت بأن الأستاذ قال لي ابنك فيه شئ لله وشفيت على يده، وحدث معه موقف آخر مع معلمة بالمدرسة حيث أنها كانت غير محتشمة في زيها وكان لا يحبها وهي بدورها قامت بتوبيخه ورفض الدراسة بهذه المدرسة ووقتها كان في الصف الأول الابتدائي وعمره خمس سنوات قمنا بنقله إلى مدرسة أخرى قرآنية بعد أن جئنا من مدني حيث مسقط أهل والده واستقرينا بالخرطوم إلى أن امتحن المرحلة الابتدائية واحرز نسبة 226 وعند انتقاله للمرحلة الثانوية أيضا كان يعاني من سلوك بعض زملائه خاصة الذين يتناولون المكيفات في الخفاء والحمدلله وصل للمرحلة الثانوية ونسبته كانت محترمة وظهرت نتيجته بعد استشهاده حيث كان يحلم أن يدرس في الكلية التقنية، كانت زينب اثناء حديثها تتنفس الصعداء وتصمت لثواني وكنت لا استطيع النظر إلى وجهها بل ظل رأسي منخفضاً حتى لا أرى دمعتها التي اعتصرتها بينما ظلت دموعي تباغت عيني حتى انتصرت عليها ونزلت بغزارة على خدي في تلك اللحظة ربتت خالته هنادي على ظهري حيث كانت تجلس معنا بصحبة جدته الحاجة مكة والتي واصلت بدورها الحديث عن حفيدها بالقول”كان عمرو صغير وعقله كبير عشان كدا قصدوه وقتلوه” .

مشاركته في المواكب
فيما استعادت والدته قوتها من جديد وتحدثت لنا عن مشاركته في المواكب قُبيل صبيحة مجزر القيادة العامة وفض الاعتصام، قالت أذكر جيداً عند خروجه للمواكب التي كانت تشتعل شرارتها من داخل الأحياء أنه يذهب في السر لأنه كان يخاف على صحتي، فأنا مصابة بمرض القلب وكأي أم خائفة على حياة ابنها كنت أمنعه وبالرغم من ذلك كان يذهب في كل المواكب التي قامت في الأحياء خاصة مواكب بري والكلاكلات والعباسية وكان يقود الموكب هو وأخيه من بحري ومن ثم يلتقوا بالمواكب الأخرى وأصبح ملاحقاً من قبل “الأمنجية” حيث يأتوا ليبحثوا عنه هو وشقيقه الأكبر الشيمي وهو طبيب شغوف مثله بالثورة وتم اعتقالهما عدة مرات وتعدوا عليهما بالضرب المبرح ، واذكر عندما يكون هناك موكب كان “تاتشرات الكجر” تقف أمام منزلنا ويطوقونه حيث يأتوا إلى المنزل من خلال تسلق جدران سبعة منازل من الجيران ويدخلوا إلى المنزل في خفاء دون أن تشعر بهم القوات الأمنية كل هذا كان يحدث دون علمي وعندما اكتشفت نضاله شعرت بالفخر ولم استطع منعه وكنت دائماً أقول له عبارة واحدة “خلي بالك من نفسك” وهو يرد علي بالقول”ابشري يا أم الشهيد” وفي موكب اعتصام القيادة العامة في السادس من أبريل ازداد خوفي عليه لأنه كان موكب صعب جداً ، ولكن عندما علمت بأن الجيش وقف في صف الثوار هممت بسرعة للحاق بهم وصنعت كمية كبيرة من الطعام وكنا نذهب بصحبة جدته وخالاته وإخوانه، كنت أذهب لأطمئن عليه لأنه لم يعد إلى المنزل وكانت صحته تتراجع في كل يوم ونقص وزنه جداً حيث كان يتوسد الأرض كحال كل الثوار المعتصمين حتى إن أحد رجليه أصيبت بـ”نشرة” وتورمت جداً وكان لا يتناول الطعام حتى يشبع بل يسد رمقه حتى اغمي عليه في احدى المرات ونقل بعيادة الاعتصام واجريت له اسعافات أولية عندها خفت عليه كثيراً وقلت له “ياولدي ارجع البيت ارتاح” رد علي وهو يبتسم وقال لي مقولته الشهيرة “الشغلة ماشغلتنا لكن الظروف جبرتنا وفي القيادة رمتنا”

النداء الأخير
تواصل أم الشهيد البرعي حكيها وتقول، لم أشعر أثناء ذهابي اليومي للقيادة أن هؤلاء الشباب “عايزين يصبوها وخلاص” وانما كانوا جسداً واحداً وأشارت زينب الى انه لم يعد الى المنزل إلا ليوم واحد فقط من بداية الاعتصام تحدثت معه مرة أخرى بأن يبيت في المنزل ولو ليوم واحد وكنت اشعر بعدم ارتياح وخوف غريب جداً فقال لي “ياحبيبتي زنوبة احسن أموت فطيس وألا أموت شهيد” دخل واغتسل وارتدى ملابس جديدة وكان في كامل هندامه وقبلني على رأسي ومن ثم خرج وعاد مرة أخرى وقال لي “يا امي انتي راضية عني؟”وبعد خروجه ظللت اقيم الليل كله الى الساعة الرابعة صباحاً واصابني شعور كبير بالحزن والخوف وفي تلك اللحظة كان هو في القيادة إتجه الى منبر الصلاة بالقيادة العامة وكان مقره في كلية الاشعة لاقامة نداء صلاة الصبح ولم يكن يعلم انه النداء الاخير وان ربه اختاره في ذلك اليوم ليكون الى جواره عند الساعة الخامسة تماماً اتصل علي احد اقربائه وهممت بفزعة للرد على الهاتف وكان الاتصال من ابن جده حيث سألني عن البرعي وشقيقه مصطفى فقلت له انهم بالقيادة وقال لي ان القيادة بها مجزرة وبدوري قمت بالاتصال به وكان صوت الرصاص يحدث دوياً كثيراً وعندما رد علي قلت له “ياولدي اطلع سريع من القيادة” ووقتها كان يعمل على نقل المصابين هو وشقيقه الى مستشفى المعلم واجابني بالقول “الليلة مافي طلعة من القيادة في موت بس واعفي مني يا أمي” اجهشت بالبكاء وعلمت انها هي المرة الاخيرة التي سأتحدث فيها معه واثناء نقله للمصابين قال لاخيه مصطفى” أنا اتصبت” فرد عليه مصطفى بالقول”ماتبقى جبان دا رايش ساي” واشار الى أخيه بالقول “أنا نفسي أموت شهيد العفو يا أخوي” فسقط بعد ان نزف كمية من الدماء فكانت فاجعة كبيرة لاخيه مصطفى الذي اصيب بحالة نفسية حيث انه لا يأكل ولم ينام لعدة ايام ظل مستيقظاً ويقوم في الليل يهرب من فراشه ويذهب الي المقابر ويستلقي في القبر جوار أخيه وهو الآن يتعالج في دولة قطر.

تخليد ذكرى
تجدر الاشارة الى ان ام الشهيد الاستاذة زينب متمسكة جداً بالقصاص فهي تذهب في كل يوم الى مجلس الوزراء لتطالب بنفسها بالاسراع في محاكمة الجناة وهي تعمل أمينة الدار لمنظمة أسر الشهداء، تمت تسمية عدد من الشوارع باسم الشهيد خاصة في مدني وبحري اضافة الى رسم صورته في جدران ميدان التحرير وعدد من المناطق فضلاً عن ان مدرسة حمزة بن عبدالمطلب قامت بتسمية أحد الفصول باسمه.

تعليق واحد

  1. نرجو منكم أن تستمروا من دون توقف في الكتابة عن الشهداء واحدا تلو الآخر من دون استثناء حتى لا يتناساهم أصحاب السلطة ، وحتى يعرف الجميع ويعرف القتلة أن حق الشهداء لن يضيع إن شاء الله ، وأن القتلة سيقدمون للعدالة حتى لو بعد عشر سنوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock