السياسيةعاجل

وساطات تحت النار في السودان

د. أميره محمد عبدالحليم *

لا تزال تسوية الأزمة في السودان تواجه مزيداً من التحديات على الرغم من استمرار التداعيات الخطِرة للصراع سواء على المستوى الإنساني أو المادي، فإن مواصلة آلة الحرب في حصد كل مقدرات السودان مع دخول الصراع شهره العاشر، ومع فشل الجهود الخارجية في عقد لقاء بين قائدي الصراع، تبرز جهود القوى السياسية السودانية في فتح جبهات للتسوية بالاعتماد على دول جوار السودان.

مع استمرار المواجهات بين طرفي الصراع، وفي إطار محاولاته لاستعادة ولاية الجزيرة من الدعم السريع كثف الجيش من غاراته على مواقع الدعم السريع في الولاية خلال الأيام الأخيرة، في حين شهدت مدن العاصمة الثلاث عمليات من القصف المدفعي والغارات الجوية، كما تصاعدت المواجهات في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور؛ حيث تسعى قوات الدعم السريع إلى السيطرة عليها ليصبح كامل إقليم دارفور تحت نفوذها، ما أسفر عن وقوع ضحايا ونزوح أعداد كبيرة من سكان المدينة.

إنهاء التمرد أولاً

وفي كلمة مصورة نشرها مجلس السيادة على صفحته في ال«فيسبوك» في 31 يناير/كانون الثاني الماضي «رفضه الحديث عن أي عملية سياسية في السودان إلا بعد الانتهاء من تمرد الدعم السريع»، وأكد أن المجلس لا يتحدث مع أي وسطاء وأي حل من الخارج لن يصمد وعلى تنسيقية القوى الديمقراطية أن تتحدث مع القوى السياسية في الداخل بدلاً من الحديث مع الأطراف الخارجية.

على جانب آخر، واصلت العديد من القوى السياسية السودانية جهودها لوقف الحرب واستعادة الحوار بين أطراف العملية السياسية، فقد عقد وفد من تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) اجتماعاً في 4 فبراير/شباط مع رئيس جنوب السودان سلفا كير في جوبا؛ حيث ناقش الاجتماع تطورات الأوضاع الحالية في السودان والمجهودات المبذولة لوقف الحرب وخارطة الطريق التي قدمتها (تقدم) ومشاركتها في الاجتماع التشاوري لقمة الإيجاد الأخيرة في عنتيبي، إضافة إلى جولاتها الخارجية. كما طلبت التنسيقية من الرئيس سلفا كير حث القائد العام للجيش عبدالفتاح البرهان على تحديد موعد لقائه مع (تقدم) في أسرع ما يمكن لإيجاد حل لقضية الحرب. كما تطرق الاجتماع إلى معاناة السودانيين اللاجئين في دولة جنوب السودان؛ حيث طالب الوفد سلفا كير بمناشدة المنظمات الدولية للتدخل خاصة أن كلفة الحرب أعلى من قدرة حكومة جنوب السودان. كما عقد رئيس جنوب السودان اجتماعاً قبل يومين مع قوى الحرية والتغيير- الكتلة الديمقراطية- حيث تسعى القوى السياسية إلى وقف الحرب وتلافي الأخطاء التي أسهمت في اندلاع الصراع.

تداعيات إنسانية

ومع تجاوز الصراع في السودان شهره التاسع، استمر تدهور الأوضاع الإنسانية للسودانيين، وخاصة الذين لم يتمكنوا من الفرار خارج البلاد، فقد أعلن المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي في بيان من أديس أبابا يوم 31 يناير 2024، أن المعارك بين الجيش والدعم السريع في السودان أدت إلى نزوح نحو 8 ملايين شخص، من بينهم 1.5 مليون لجأوا إلى الدول المجاورة، وانتقد المفوض السامي ضعف تمويل المساعدات الإنسانية للسودان؛ حيث لم يغط التمويل الخارجي 40% من الاحتياجات في الوقت الذي تشتكى فيه الدول الأوروبية من عبور اللاجئين للبحر المتوسط.

وفضلاً عن هذا البيان، فقد قتل أكثر من 13 ألف شخص بحسب «مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها»، كما قدر متحدث باسم الأمم المتحدة في 21 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن النزاع يشكل «أكبر أزمة نزوح في العالم»، يضاف إلى ذلك الانتهاكات الجسيمة التي تتعرض لها الفئات الضعيفة من السكان؛ حيث تعبر الروايات عن عمليات اغتصاب للنساء وتجنيد قسري للأطفال ومذابح ترتكب في حق الأبرياء.

وعلى صعيد آخر، أعلنت وزارة الصحة في السودان في 3 فبراير/شباط تزايد أعداد المصابين بالكوليرا في البلاد إلى أكثر من 10 آلاف حالة.

قطع الاتصالات كأداة للحرب

وفي تطور آخر للصراع، أعلنت شركات الاتصالات في السودان في 2 فبراير/شباط انقطاع كامل لخدمات الاتصالات والإنترنت في البلاد لأسباب فنية لم تفصح عنها.

وفي هذا الإطار تبادل طرفا الصراع في السودان الاتهامات حول المسؤولية عن قطع الاتصالات في البلاد، ففي حين نفى مسؤول في الدعم السريع مسؤولية قواته عن هذه الأزمة، واتهم الجيش بإصدار أوامر مباشرة من قيادته بقطع الاتصالات مستشهداً بقطع الجيش للاتصالات قبل ذلك في مناطق عديدة تقع تحت سيطرة الدعم السريع، على الجانب الآخر اتهم جهاز تنظيم شؤون الاتصالات والبريد التابع لوزارة الدفاع في بيان يوم 5 فبراير/شباط، الدعم السريع بقطع الخدمة عن مركزي بيانات شركتي «سوداني» و«إم تي أن» وطالبتهما بإرجاع خدمة الاتصال إلى بعض مدن إقليم دارفور مقابل إعادة تشغيل المشغلات الرئيسية لشركات الاتصالات في العاصمة الخرطوم، كما اشترطت قوات الدعم السريع على «شركة زين» قطع الخدمة عن ولايتي نهر النيل والبحر الأحمر مقابل وصول خدماتها لباقي الولايات، وقد تسبب هذا الأمر في خروج بورتسودان العاصمة الإدارية للحكومة السودانية عن تغطية كل شبكات الاتصال.

وكان جهاز تنظيم شؤون الاتصالات والبريد، قد أصدر قراراً بحظر استيراد وتداول أجهزة الاتصال التي تعمل بالأقمار الصناعية وعمم الحظر على المطارات والموانئ ما فاقم من صعوبات الحصول على الإنترنت في البلاد. وتبرز خطورة انقطاع خدمات الاتصال في البلاد في قطاع كبير من السكان يعتمدون على التطبيقات البنكية في تصريف شؤون حياتهم اليومية في ظل شح السيولة وإغلاق معظم البنوك وماكينات الصراف الآلي، وخاصة في العاصمة الخرطوم ومدن وسط البلاد.

*باحثة في الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات
صحيفة الخليج

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى