محلي

أميركا ولعبة المصالح في السودان

العربي الجديد – عبد الحميد عوض
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، سحبت أميركا سفيرها في الخرطوم، لتدهور علاقتها مع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، لأنه أولاً جاء عبر انقلاب عسكري، ولاستضافته مجموعات مصنّفة لدى واشنطن كمجموعات إرهابية، ومعاداته الواضحة للسياسات الأميركية في المنطقة، ولانتهاكه المستمر لحقوق الإنسان، وغيرها من الأسباب.

لم تكتف الإدارة الأميركية حينها بتقليص مستوى التمثيل، وإبقائه على مستوى قائم بأعمال السفارة في الخرطوم، بل أصدرت معه مجموعة من القرارات والعقوبات، أهمها تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب في 1993، وفرض عقوبات اقتصادية عليه في 1997، ومحاصرته إقليمياً ودولياً، ودعم المجموعات السياسية والعسكرية المعارضة له.

على الرغم من تلك المواقف الظاهرية، إلا أن الولايات المتحدة بنت تحت الطاولة جسور تواصل قوية مع نظام البشير، تحديداً على المستويات الأمنية والاستخبارية. وتكشّف ذلك أكثر بعد حادثة 11 سبتمبر/أيلول 2001، إذ قدمت الخرطوم ما يكفي من معلومات للقضاء على تنظيم “القاعدة”، وذلك بحسب شهادات الأميركيين أنفسهم، وتعاونت أمنياً أيضاً على مستوى المنطقة العربية والقرن الأفريقي.

على المستوى السياسي، تعاطت الخرطوم وواشنطن بكل سهولة ويسر فيما يتعلق بإنجاز اتفاق السلام في جنوب السودان في 2005، والذي انتهى في 2011 بفصل جنوب السودان. تلا ذلك المزيد من خطوات التقارب، وصل إلى نقطة رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان بنهاية 2017.

لاحقاً، دعمت الولايات المتحدة الثورة السودانية، وعارضت انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهددت باتخاذ إجراءات قوية ضد الفاعلين فيه، ولا تزال تطالب بعودة المسار الديمقراطي في البلاد.

وفي خضمّ معارضتها تلك، أرسلت، في الأيام الماضية، جون غودفري ليتولى منصب السفير في الخرطوم، بعد أكثر من 25 عاماً من غياب التمثيل بدرجة سفير، ما ترك تساؤلات عن مصداقية وجدية معارضتها لانقلاب قائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان.

وبمقارنة تاريخية لموقف الولايات المتحدة من انقلاب 1989 وانقلاب 2021، يبدو أن واشنطن ستكرر تجربتها في السودان، وذلك من خلال التظاهر بمعارضة حكم العسكر وفي نفس الوقت تغلّب مصالحها وتتماهى مع الواقع، وتبقي معارضتها على مستوى الخطاب السياسي المرضي للرأي العام الأميركي وجماعات الضغط.

وربما تندفع أكثر في ذلك الاتجاه، خصوصاً أن حلبة المنافسة على النفوذ في السودان تشمل لاعبين كثرا، دوليين وإقليميين. لكن الاستراتيجية الأميركية لن تكون ذات تأثير كبير هذه المرة، لأن الحراك الثوري الداخلي ضد الانقلاب أكثر تأثيراً من العوامل الخارجية.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى