محلي

أفراح السودان … الرصاص أقوى من الزغاريد

العربي الجديد – عبد الحميد عوض
مطلع يونيو/ حزيران الماضي، أبى أحد المشاركين في عرس بمنطقة نار في ولاية غرب دارفور، غرب السودان، إلا أن يعبّر عن فرحته بإخراج سلاحه وإطلاق الرصاص، فأصابت واحدة العريس وقتلته وجُرحت سيدتان ورجل نقلوا إلى المستشفى لمحاولة إنقاذ حياتهم.
ليست هذه الحادثة الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة مع استمرار ظاهرة الرصاص الطائش في كثير من مجتمعات السودان ذات الانتماءات القبلية والعرقية المختلفة. وشهد العام الماضي حادث مقتل العريس الزاكي حسن على يد صديقه الذي أطلق الرصاص أثناء مراسم عقد قران في مدينة الدامر (شمال). أيضاً لقي عريس ثالث يدعى نهشل كرمنو مصرعه بالرصاص أثناء ليلة زواجه في ولاية النيل الأزرق، حيث أطلق النار شخص ينتمي إلى القوات النظامية. وقبل أن تستفيق الولاية ذاتها من صدمة وهول مقتل نهشل، قضى عريس آخر بالسيناريو الأليم ذاته.

وكان البرلمان السوداني قد صادق في ديسمبر/ كانون الأول 2018 على تعديل قانون الأسلحة والذخيرة الذي نص على فرض عقوبة السجن لمدة تصل إلى 5 سنوات أو دفع غرامة مالية على كل شخص يطلق الرصاص أثناء مراسم عرس أو مناسبات اجتماعية أخرى. أما ولاية الخرطوم فانفردت بإصدار قانون خاص عام 2019 منع استخدام السلاح الناري في المناسبات. وحدد مرسوم وقعه الوالي أيمن نمر العقوبة المفروضة على المخالفين بالسجن أو دفع غرامة مالية، أو حتى تطبيق العقوبتين معاً في حقهم، مع مصادرة أسلحتهم المستخدمة نهائياً، وأوعز أيضاً بأن تكون العقوبة أشد صرامة في حال انتماء الشخص الذي استخدم السلاح ضمن صفوف الشرطة أو الجيش أو الأمن.
وعلى المستوى الاجتماعي، دشن ناشطون قبل سنوات أضخم حملة إعلامية وعلى منصات التواصل باسم “كفاية” لمنع استخدام الرصاص في الأفراح. ونظمت جمعية “صحافيين ضد الجريمة” حملة منفردة، كما تحدث رجال دين عن المسألة في خطبهم، لكن رغم مرور سنوات على هذه المبادرات لا تزال الظاهرة مستمرة، ويحوّل الرصاص الأفراح إلى أتراح، والزغاريد إلى نحيب.

يقول المحامي عيسى عبيد الناس، لـ”العربي الجديد”: “بين أسباب تفاقم المشكلة، انتشار السلاح على نطاق واسع بلا ترخيص من السلطات المختصة، وسهولة الحصول على هذه التراخيص، لكن ذلك لا يسمح باستخدامه قانونياً في المناسبات الاجتماعية والأفراح”.
يضيف: “تقع الجرائم من طريق الخطأ، فتطالب أسرة القتيل القضاء بالعفو عن القاتل الذي لا تصدر في حقه بالتالي إلا عقوبة بسيطة في إطار حفظ الحق العام. وهكذا لا يتوفر الردع المطلوب في هذه القضايا. وبعيداً من الجوانب القانونية، تعكس المشكلة أبعاداً ثقافية ترتبط بالعادات والتقاليد، فاستخدام السلاح في الأعراس يمثل نوعاً من الفراسة والحماسة وعزة للعريس، ما يعني أن مكافحة الظاهرة تحتاج إلى تطبيق القوانين وإطلاق نشاط اجتماعي تثقيفي تشارك فيه المؤسسات الإعلامية والدينية والقانونية والأمنية والأسرية، للتوعية بمخاطر استخدام السلاح في المناسبات، علماً أن غالبية الحوادث المميتة تحدث في مناطق ريفية يقل فيها التعليم بخلاف المدن الكبيرة. والتوعية والتثقيف واجبان على الدولة والمجتمع معاً، إلى جانب كشف الجوانب غير المضاءة، مثل عدد الضحايا ومآسي أسرهم وأسر من ارتكبوا الجرائم عن طريق الخطأ، والذين يستمر تأنيب الضمير مدى الحياة معهم، لدرجة أنهم يحتاجون إلى تأهيل نفسي واجتماعي”.

ويتفق طارق عبد الله، رئيس جمعية “صحافيين ضد الجريمة”، مع المحامي عبيد الناس في شأن تأثير العادات والتقاليد على انتشار ظاهرة إطلاق الرصاص أثناء المناسبات الاجتماعية، والتي يرى أنها “تفسر استمرار الظاهرة رغم خطورتها وتداعياتها السلبية على المجتمع والدولة. والحقيقة أن هناك صعوبة كبيرة جداً في التخلي عن العادات مهما كانت النتائج، وهو ما يحتاج إلى خطط شاملة بعيدة المدى”.
ويشير عبد الله، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أن “العقوبات التي تتضمنها القوانين السودانية غير رادعة، ولا تتناسب مع الجرائم المرتكبة، ما يزيد عدد الحوادث. كما لا توفر الشرطة وباقي أجهزة الأمن وسائل المراقبة المناسبة للأفراح والمناسبات، وتكتفي بتضمين مذكرة الترخيص التي تمنحها لتنظيم حفلات ومناسبات فقرة قصيرة تتناول تعهد صاحب الحفل بمنع استخدام الرصاص أثناء الفرح”.
وينتقد عبد الله بشدة “عدم تأدية مؤسسات المجتمع المدني دورها المطلوب عبر تنظيم حملات مستمرة للتوعية من استخدام الرصاص في المناسبات، والاكتفاء فقط بنشر مقالات أو إطلاق عبارات للتنديد بوقوع حوادث، في مبادرة أقرب إلى التعاطف الإنساني مع الضحية بلا أي أبعاد على صعيد مكافحة الظاهرة”.

من جهته، يرى أستاذ علم الاجتماع في جامعة النيلين أشرف أدهم، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن “المجتمع السوداني لا يزال يحتفظ بارتباطاته القبلية القوية رغم الحداثة الظاهرية والتمدن والتعليم، لذا يستمر اعتقاد أفراد المجتمع بأن إطلاق الأعيرة النارية في الهواء لحظة الفرح جزء من الممارسة القبلية المرتبطة بالشجاعة والفروسية، وإرث قبلي ممتد. ولا بدّ من الإشارة إلى أن الأغنيات الحماسية التي تنشد في الأعراس تساهم أيضاً في تغذية العقل الباطني لدى بعض الأشخاص للفخر والاعتزاز، تمهيداً للتعبير عنها بهذه الطريقة”. وقارن أدهم بين الظاهرة وظاهرة الجلد بالسياط أثناء الأعراس، “فكلاهما يتطابقان على صعيد الدوافع”.
يضيف أنه “رغم تكرار الحوادث، نلاحظ حصول تغيير بطيء في المجتمع السوداني يظهر في رفض الفكرة تماماً، ومغادرة كثير من المشاركين في الأفراح أماكن الحفلات بمجرد إطلاق الأعيرة النارية لإدراكهم بمخاطرها وخطورتها. وأتوقع أن يستمر هذا التغيير ولو ببطء وصولاً إلى زوال هذه العادات والتقاليد. ويفترض أن تستمر جرعات الوعي، وتعزيز الحضور الفاعل لمؤسسات الرقابة وتفعيل القوانين والحد من الأسلحة غير المصرح بها، وهو ما يتطلب تكامل جهود مؤسسات الدولة مع الإعلام والمجتمع المدني ومناهج التعليم”.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى