اقتصاد واعمال

بعد تحرير (دولار) الدواء.. هل يتسرَّب الموت للمواطنين عبر الفواتير الباهظة

*اللجنة الاقتصادية: الاعتماد على المستورد كبير جداً والطلب على المحلى قليل
*الناير: تغطية التأمين الصحي ضعيفة جداً، لم تغط جميع الأدوية بل كتير منها خارج مظلة التأمين
*تجمع الصيادلة: تحرير دولار الدواء طلقة قاصمة في جسد المواطن المنهك المثقل بالأعباء
*خبير اقتصادي: سوف يقل دور الإمدادات الطبية ويتحوَّل إلى شركة تدار بمفهوم الشركات الخاصة
حالة من الارتباك سادت المشهد الدوائي في البلاد، بعد أعقاب قرار تحرير سعر دولار الدواء، الأمر الذي يعني تحرير أسعاره وهو ما سيؤدي إلى زيادات متتالية مع فروقات سعر الصرف ما بين الرسمي والموازي والذي فيه يزيد الثاني عن الأول. انتقادات حادة من جهات عدة مما يليه هذا القرار في قطاع الأدوية، ولعل التساؤلات المطروحة، ماهي التداعيات المتوقعة بعد هذا القرار، وهل يصب هذا القرار في مصلحة الدواء المحلي، وماذا عن المواطن المغلوب على أمره صاحب الدخل المحدود؟
الخرطوم: مآب الميرغني
(1) أضعاف مضاعفة
وبلهجة حادة حذر تجمع الصيادلة تحرير سعر دواء الإمدادات الطبية بالكامل مما يؤدي إلى تضاعف أسعار الدواء أضعافاً مضاعفة وخاصة الأدوية المنقذة للحياة والتي لا يتم توفيرها إلا عبر الإمدادات الطبية، الجهة المنوّط بها الأمن الدوائي، مما يجعل الحصول عليها غاية في الصعوبة للمواطن الذي لا يتجاوز متوسط دخله سعر عدة أمبولات مضاد حيوي.
وانتقد خروج توصيات ورشة إصلاح تمويل النظام الصحي التي أقامتها وزارة الصحة الاتحادية وأعلنت ضمن توصياتها اعتماد سعر الدولار المحرر في تسعير الدواء بواسطة الإمدادات الطبية لتحقيق الوفرة الدوائية واستخدامها وسداد مديونية الإمدادات.
وأشار في بيان لها أن الدعم الحكومي غير المباشر للدواء يأتي عبر الصندوق القومي للإمدادات الطبية حيث كان يتم تسعير الدواء بـ(١٨) جنيه مقابل الدولار حتى أكتوبر ٢٠١٩، بعدها تمت زيادة التسعيرة لـ(٥٥) جنيهاً، في مطلع عام ٢٠٢٠، في عام ٢٠٢١ تم التسعير بـ (١٦٥) جنيهاً، مقابل الدولار، وتوالت الزيادات بعدها وصولاً لتسعيره بسعر الدولار المحرر بالكامل الآن. وأضاف يعاني السوداني في كل المجالات الاقتصادية والأمنية والتعليمية والصحية من خلال عدم توفر أساسيات الحياة لا رفاهيتها.
وتابع واصلت حكومة الانقلاب السياسات القاتلة برفع يدها تماماً عن قطاع الدواء عن طريق تحرير سعر دولار الدواء مما ترتب عليه ارتفاع في الأسعار بشكل لا يُطاق، فأصبح المواطن في حيرة من أمره نتيجة لسعرها الباهظ، نتج عن ذلك تخلي البعض عن الادوية المستديمة واستخدامها بطرق خاطئة، وها نحن الآن نتابع الزيادة المهولة في أسعار الإنسولين وأدوية السرطان والتخدير وغيرها من الأدوية المنقذة للحياة والتي تتقلص بدائل استخدامها للموت بعد هذه الزيادات بالنسبة للمرضى وذويهم وأكد بأنهم في تجمع الصيادلة المهنيين كانوا قد حذروا مراراً من الانفلات القادم في أسعار الدواء وأثره على المواطن والنظام الصحي وتحول الصندوق القومي للإمدادات الطبية من توفير الأدوية المنقذة للحياة إلى مؤسسة ربحية منافسة للقطاع الخاص في مسار تجفيفها.
(2) طلقة قاصمة
وفي الأثناء، استنطقت (الجريدة) عضو تجمع الصيادلة د. سماهر المبارك، ووصفت اعتماد سعر الدولار المحرر في تسعير الدواء بواسطة الإمدادات الطبية، بالطلقة القاصمة في جسد المواطن المنهك المثقل بالأعباء، فضلاً عن الذين يعانون من أمراض كالسرطان والسكري والكلى، محذرة تبعات أيضاً على عديد من الادوية المنقذة للحياة الاخرى.
وقطعت بالقول: إن هذه الخطوة لن تحقيق الوفرة الدوائية فالدواء الغالي الذي لا يستطيع المواطن شراءه والدواء المعدوم متساويين، وأضافت كنا قد حذرنا مراراً في تجمع الصيادلة المهنيين من هذا المصير المظلم القاتم القاتل.
وشددت سماهر أن الإمدادات الطبية هي الجهة المنوط بها الأمن الدوائي التي يقصدها المواطن للسعر المعقول في الدواء الذي لا يأتي إلا عبرها، عندما تصبح مثلها مثل أي شركة استيراد فكيف ذلك؟
(3) استغناء وتبديل
وفي ذات السياق، ويرى عضو اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير والخبير الاقتصادي د. محمد شيخون، أن قرار تحرير سعر دولار الدواء يعني سوف يكون غير ثابت، و يكون متحرك مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي، ومضى في حديثه لـ(الجريدة) سوف تشهد أسعار الصرف ارتفاع مستمر في سعر الدولار مقابل الأسواق الوطنية. وعاب على عملية تحرير الدواء من وزارة المالية، الذي يفترض أن يكون مدعوما للمواطن من قبل الدولة، وأضاف الخبير الاقتصادي أن الدواء ليس كالسلع الآخرى للمستهلك، الدواء لا يمكن الاستغناء عنه أو تبديله، لم يعان المواطن على المستوى المعيشي فقط، بل -أيضاً- يحمل هم متطلبات صحته الشخصية كذلك.
متوقعاً شيخون: في الفترة القادمة أن يقل طلب التجار المستوردين من الخارج على الدواء ويكون بطلب محدود وفق الأكثر حاجة وبأسعار باهظة، فضلاً عن كل ما يلزم في الصناعات المحلية بالمكون الأجنبي يرتفع السعر ولن تغطي جميع الاحتياجات. وتابع حديثه: البلاد تعتمد على المستورد بشكل كبير جداً والطلب على المحلى قليل.
(4) المسمار الأخير
وفي ذات الإطار، أوضح الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي، أن الأدوية كانت تعامل معاملة خاصة كأولويات لها بتوفير النقد الأجنبي وأعطاها بالسعر الرسمي لبنك السودان المركزي وليس السوق الموازي، واصفاً لـ(الجريدة) قرار وزير المالية بأنه قد دق المسمار الأخير في نعش توفير الأدوية للمواطن السوداني، الزيادة سوف تخلق مشكلة في توفير الدواء.
وأشار إلى أن الدواء سوف يعامل كالسلع الكمالية وليست معاملة السلع الاستراتيجية، وقطع فتحي حديثه، يجب على حكومة وزارة المالية أن تعامل السلع الأساسية الاستراتيجية التي تدخل في حياة المواطن اليومية (الغذاء، الدواء، المحروقات، الكهرباء، الماء، والمواد الصحية والطبية) كضرورة ملحة لحياة المواطن، أردف: بذلك القرار يتضح ليس هناك بعد الآن أي سلعة مهمة في حسابات الحكومة تجاه المواطن السوداني. وزاد: سيكون تعامل الدواء كحال المحروقات وترفع الحكومة يدها عنها، أما صندوق الإمدادات الطبية يتحوَّل إلى شركة تدار بمفهوم الشركات الخاصة إلى أن يقل دورها.
(5) قضية حياة
وبلهجة حادة انتقد الخبير الاقتصادي د. محمد الناير، قرار وزارة المالية برفع الدعم عن دولار الدواء، واضاف في حديثه ل(الجريدة) لن يتحمل المواطن أي زيادة في أسعار الدواء، الزيادة قضية حياة، وتابع: كثيرون من المواطنين لا يستطيعون شراء الدواء أو الذهاب إلى الطبيب إضافة إلى تدابير تكاليف الفحص، حتى بعد إجراء هذه السلسلة لا يستطيعون الاستمرار في تناول العلاج والمقابلات.
وحول التأمين الصحي العلاجي، قال الخبير الاقتصادي د. الناير إن نسبة التغطية ضعيفة جداً، لم تغطي جميع الأدوية بل كتير جداً من الادوية خارج مظلة التأمين، محذراً من أن يواجه المواطنين غلاء فاحش إذا حدث ارتفاع في الأدوية، مضيفاً أن الدواء الذي كان يتصل عليه من الإمدادات كان يوفر ويسهل بأسعار معقولة للمواطن.
وأعرب الناير عن خوفه في حالة حدوث زيادة كبيرة، بيد أنه سيلغي مزيد من الأعباء على المواطن السوداني الذي لن يتحمل أكثر مما عو عليه اليوم. وطالب الدولة أن تنظر للدواء والعلاج نظرة لما يمر به الوضع الاقتصادي السوداني، وتابع: أكثر من 60% يعانون الفقر، لا يعقل أن يحرر سعر الدواء وتصبح أسعاره فوق طاقة المواطن.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى