اقتصاد واعمال

مهاجرو السودان… أحلام الاستقرار ضاعت مع أحداث 25 أكتوبر

العربي الجديد – عبد الحميد عوض
قاد شباب السودان ثورة شعبية أطاحت أحد أعتى ديكتاتوريات منطقة الشرق الأوسط، وأعادت روح التفاؤل بمستقبل مزهر، بالتزامن مع شعارات تحث على المشاركة في بناء وطن يتمتع الجميع فيه بالعدالة الاجتماعية والحرية والسلام، لكن تلك الآمال تضاءلت بسبب الأداء الباهت للحكومة المدنية، ثم تلاشت تماماً بعد الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

يقول مصطفى أحمد (30 سنة)، لـ”العربي الجديد”، إن خيار الهجرة، ولو عبر طريق غير شرعي، يتملكه منذ 4 سنوات، وشرع في خطوات جدية قبل أن تندلع الثورة، وتنجز مهمتها في إسقاط النظام الذي أذاق الشباب الأمرين، وكتم حريتهم لعقود، مستطرداً: “بعد الثورة نسيت الفكرة تماماً، وكان يعتريني الأمل في تحسن الأوضاع، وخططت لمشروعات تبقيني في وطني إلى جانب بقية عائلتي”.

يوضح أحمد، أن “قناعة البقاء في البلاد بدأت تتراجع عقب الانقلاب العسكري في العام الماضي، فالمستقبل أصبح مظلماً أكثر من أي وقت مضى، وتسيطر الضبابية على كل شيء، ولم أعد قادراً على أن أدفع ثمن ذلك من مستقبلي، بلا وظيفة، وبلا تعليم جيد، ولا حياة كريمة، وأقراني الذين هاجروا إلى أوروبا قبل 3 سنوات أنجزوا الكثير، ووفرت لهم الدول التي لجؤوا إليها فرص عمل، وتعليم، لكن أحد أعز أصدقائي مات غرقاً في البحر المتوسط خلال رحلة الهجرة، ما دفعني إلى التروي في قرار الهجرة خوفاً على حياتي”.
وطريق الهجرة المفضل للسودانيين يمر عبر ليبيا وصولاً إلى جنوب أوروبا عبر البحر المتوسط، وهو الطريق الأسهل للشباب، لكنها هجرة غير قانونية تديرها مجموعات من جنسيات مختلفة، وتكون المحطة الأوربية الأولى عادة إيطاليا، ثم ينتقل المهاجر إلى فرنسا، أو دول أخرى، ويفضل معظم السودانيين بريطانيا التي يصلونها عبر كاليه الفرنسية، غير أن توجه بريطانيا مؤخراً نحو ترحيل اللاجئين إلى رواندا، قلص من تلك الرغبة.
ويظل طريق الهجرة عبر ليبيا أخطر الطرق، وفيه يتعرض بعضهم للوقوع في أيدي عصابات تتخذهم رهائن، وتضغط على أسرهم لدفع فدية من أجل إطلاق سراحهم، ويقع آخرون في شرك الاحتيال، إذ يدفعون أموالاً طائلة للعبور إلى أوروبا، ثم لا يتحقق الحلم، وغالبية من يتمكنون من ركوب قوارب الهجرة يتعرضون لمخاطر أخرى، من بينها رداءة المراكب التي تستخدمها العصابات، والتي يتعرض كثير منها للغرق، وسبق أن لقي مئات المهاجرين السودانيين مصرعهم غرقاً.
نجح السوداني فيصل النعيم في الذهاب إلى ليبيا، وهناك عاش معاناة لا تحتمل، فبينما كان برفقة أصدقائه، اختطفتهم عصابة ليبية، وعرضتهم للتعذيب، ثم اتصلت بأسرته في السودان طالبة فدية مالية، واستجابت الأسرة للطلب، ودفعت المبلغ المطلوب، لكن بدلاً من إطلاق سراحه، جرى بيعه لعصابة أخرى، وقامت بدورها بطلب فدية مالية، حتى وصل مجموع ما دفعته أسرته للإفراج عنه إلى 16 ألف دولار، وبعد إطلاق سراحه قرر العمل في ليبيا لتسديد الأموال الطائلة التي بات مديناً بها.

وينصح النعيم، في حديث عبر الهاتف مع “العربي الجديد”، الشباب بعدم اللجوء إلى الهجرة غير القانونية، مشيراً إلى أنه، وآخرين مثله، يقومون تطوعاً بتقديم مساعدات مالية لراغبي الهجرة المتضررين، وآخرهم مجموعة من السودانيين الذين يقبعون في سجن المايا غربي طرابلس، والذين تم اعتقالهم خلال محاولة الهجرة بحراً إلى إيطاليا. وأكد النعيم، أن أعداد جرائم الخطف والابتزاز تراجعت مؤخراً في ليبيا بعد التحسن الأمني، لكن ذلك لا يعني أن هذا الطريق صار سالكاً أمام الراغبين في الوصول إلى أوروبا.
كان إسماعيل واحداً من المهاجرين المحظوظين الذين وصلوا إلى النرويج بعد جهد عسير ومخاطر جمة، ويقول لـ”العربي الجديد”، إن “الوصول إلى الأراضي الأوروبية لا يعني دخول الجنة الموعودة، بل تستمر المشكلات والأزمات على الأصعدة كافة، ومن بينها حاجز اللغة، ثم الاندماج في المجتمع الأوربي، وبيروقراطية الحصول على الجنسية، فضلاً عن العنصرية تجاه المهاجرين، والتشديدات الجديدة في بعض البلدان، خصوصاً في بريطانيا التي تعد الوجهة الرئيسة للسودانيين، والتي باتت تقوم بترحيل المهاجرين الأفارقة إلى رواندا”. ويؤكد أنه لا يملك نصح أي شاب سوداني بعدم الهجرة إلى أوروبا، لكنه يطالب الجميع بتجنب المخاطر قدر الإمكان، وتأهيل أنفسهم في شتى المجالات، وعدم الإفراط في الأحلام حتى لا يصدموا بواقع مختلف بعد الوصول، مشيراً إلى أن “غالبية الدول لا تمنح حق اللجوء إلا في الحالات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، أو لأسباب إنسانية، أو التعرض للخطر على الحياة في بلدان طالبي اللجوء الأصلية”.
ورغم النصائح المتكررة، وقصص الغرق الجماعي في البحر المتوسط، أو ابتزاز العصابات، ما زال كثير من الشباب يواصل محاولات الهجرة، ويقول محمد أغبش لـ “العربي الجديد”، إن “العيش في بلادي بات صعباً، لذا قررت السفر متجنباً طرق الموت والعصابات عبر طريق مختلف، إذ أسافر أولاً إلى ماليزيا لاستكمال تعليمي، وتحسين مستواي في اللغة الإنكليزية، وبعدها أتوجه إلى واحدة من بلدان الإتحاد الأوربي. أريد دخول أوروبا بطريقة شرعية لأني أدرك أن أي طلب لجوء أقدمه حالياً سيتم رفضه، فقد سبق أن عملت في القوات المسلحة النظامية قبل التقدم باستقالتي قبل سنتين”.

ويشير الناطق باسم لجان المقاومة في الخرطوم، عمر زهران، إلى أنّ هجرة الشباب إلى أوروبا عبر طرق غير شرعية رغم كل ما يتعرضون له من مخاطر، يعود في الأصل إلى فقدان الأمل في تحقيق أحلامهم وتطلعاتهم في بلدهم، ويوضح لـ”العربي الجديد”، أنّ “معظم أسباب الهجرة اقتصادية، إذ يريد الشباب مساعدة أسرهم بعد التخرج من الجامعات، وعندما لا توفر الدولة فرص عمل، أو حياة كريمة، لا يكون أمامهم غير الهجرة، وكثير من هؤلاء كرسوا جهدهم للثورة، وأحلام البناء والتغيير، لكن ووجهوا بالعنف، فأصيبوا بالإحباط واليأس، وعادوا إلى التفكير في الهجرة. إن كانت كل الطرق تؤدي إلى الموت، سواء في بلدك برصاصة تصيبك، أو غرقاً في مركب هجرة، فإن كثيرين يعتقدون أن فرصة الهجرة أفضل”.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى