اقتصاد واعمال

قيادي بالحرية والتغيير : خصخصة شركات الجيش السوداني “مؤامرة جديدة”

الخرطوم ـ «القدس العربي»: وصف القيادي في «الحرية والتغيير»، عادل خلف الله، اتجاه، السلطات السودانية لخصخصة شركات الجيش بـ«المؤامرة الجديدة»، في ظل حكومة الانقلاب ومحاولة لإعادة تمكين النظام السابق، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تحيط بها الشبهات، والمقصود بها تحويل تلك الشركات إلى رأسمالية الحركة الإسلامية بعد الارتداد على قرارات لجنة إزالة التمكين.
وأكد لـ«القدس العربي» أنه «ليس من اختصاص قادة الانقلاب ووزارة المالية الخاصة بهم، التصرف في مؤسسات الدولة السودانية»، مشددا على أن «السلطة القائمة الآن غير شرعية وغير مؤتمنة على مقدرات البلاد».

تحايل

واعتبر قيام القادة العسكريين بهذه الخطوة «محاولة لإرضاء المؤسسات المالية الدولية والداعمين، باعتبار أن صندوق النقد الدولي اشترط خروج الدولة من العملية الاقتصادية، لدعم الاقتصاد السوداني»، مؤكدا أن السلطات الراهنة «تحاول التحايل على هذه الإجراءات بتحويل ملكية هذه الشركات إلى جهات وشركات موالية للعسكر والنظام السابق».
وفي ظل تواصل الضغوط الدولية على السلطات العسكرية في السودان، والأزمة الاقتصادية الحادة التي تحاصر البلاد، كشفت وزارة المالية السودانية، قبل أيام، عن اتجاه لخصخصة شركات الجيش، والتي ظلت تدار بعيدا عن ولاية وزارة المالية طوال العقود الثلاثة الماضية. وقال وزير المالية، جبريل إبراهيم، إن السلطات السودانية تتجه إلى خصخصة شركات مملوكة للجيش، ما عدا الشركات الخاصة بالأسلحة، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء.
وأشار إلى خطط لإغلاق نحو 650 شركة مملوكة للدولة، مشيرا إلى تفاهمات مع دول خليجية لدعم الاقتصاد السوداني.
ويعاني السودان من أزمة اقتصادية حادة، تفاقمت منذ انقلاب الجيش على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ووصل معدل التضخم في البلاد إلى 220.71، في شهر أبريل/ نيسان الماضي، وفق آخر إحصائية نشرها الجهاز المركزي للإحصاء.
وحذرت منظمة «الفاو» من تفاقم الأزمة الغذائية في السودان، ورجحت أن يتضاعف عدد السودانيين الذين يواجهون الجوع الحاد إلى أكثر من 18 مليون شخص بحلول سبتمبر/أيلول 2022.

10 مليارات دولار

وحسب تصريحات لوزير الصناعة السابق، القيادي في «الحرية والتغيير»، إبراهيم الشيخ، في أكتوبر/تشرين الأول 2021، يقدر رأسمال الشركات التابعة للجيش بـ 10 مليارات دولار.
وبالإضافة للإنتاج العسكري، تعمل شركات الجيش في مجالات الاتصالات والمصارف والتعدين والماشية والصناعات الغذائية والإنشاءات والاستيراد والتصدير، وغيرها من المجالات.
وفي وقت لا يوجد رصد لعدد الشركات التي يحتكر إدارتها الجيش وحجم إيراداتها وكيفية صرفها، ظلت مثار خلافات واسعة بين مكونات الحكومة الانتقالية المدنية والعسكرية، قبل استيلاء الجيش على السلطة. وظل رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، يطالب بإعادة شركات الجيش إلى ولاية الدولة.
وأشار في تصريحات صحافية، في ديسمبر/كانون الأول 2020 إلى أن 82 % من المال العام خارج ولاية وزارة المالية، وأنه لا بد من استعادة شركات القطاع الأمني والعسكري.
وبيّن أن «كل جيوش العالم لديها علاقة بالاستثمار المتعلق بميزتها التفضيلية مثل الاستثمار في الصناعات الدفاعية وهذا مهم ومشروع، ولكن أن تستثمر في قطاع الإنتاج وتزيح وتحل محل القطاع الخاص فهو أمر غير مقبول»، مشددا على عدم إمكانية التنازل فيما يلي إدارة الموارد الخاصة بالشعب السوداني من غير شفافية ومساءلة.

«شيطنة الجيش»

وأشار إلى الشروع في تفاهمات لمعالجة شركات الجيش بتوافق جميع مكونات الدولة، الأمر الذي اعتبره رئيس المجلس السيادي، في ذلك الوقت، عبد الفتاح البرهان، محاولة لـ»شيطنة» القوات المسلحة، وذلك خلال مخاطبته تجمعا عسكريا، مؤكدا أن هناك جهات تحاول تعليق إخفاقاتها الاقتصادية على شماعة شركات الجيش.
وفي خضم ذلك الصراع، أجاز الكونغرس الأمريكي قانون «الانتقال الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية لعام 2020»، والذي يطالب المؤسسة العسكرية بالشفافية بخصوص شركاتها ووضعها تحت ولاية السلطة المدنية، كشرط لتقديم واشنطن الدعم للسودان.
وعقب الانقلاب العسكري أجاز الكونغرس الأمريكي قرارا آخر يدين الانقلاب ويحث الإدارة الأمريكية على فرض عقوبات فردية على قادة الانقلاب والداعمين لهم.
ومؤخرا، في مايو/أيار الماضي، حذرت واشنطن الأفراد والشركات الأمريكية من مخاطر التعامل مع شركات الجيش السوداني، مؤكدة، أنها قد تكون ذات صلة بانتهاكات حقوق الإنسان.
وبينما ينتظر أن ينخرط العسكريون اليوم الأربعاء في محادثات مباشرة تيسرها الآلية الثلاثية لبعثة الأمم المتحدة (المتكاملة) لدعم الانتقال الديمقراطي والاتحاد الأفريقي وإيغاد، بدفع من واشنطن، والتي ترفض المعارضة السودانية المشاركة فيها، يرى المراقبون أن تلويح السلطات السودانية بالاتجاه لخصخصة شركاتها، جاء تحت ضغط المجتمع الدولي، في حين يحاول القادة العسكريون تحسين صورتهم أمام المجتمع الدولي.
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الخرطوم، محمد الجاك، لـ«القدس العربي» إن السلطات السودانية «ربما تمضي في اتجاه خصخصة شركاتها لجهة تعرضها لضغوط دولية قد تقلل من نشاطها والتعاملات معها»، مشيرا إلى أن «أي اتجاه لخصخصة شركات الجيش يمكن اعتباره مؤشر فساد وتصرفا في شركات عامة سودانية».

ولفت إلى أن «مسمى شركات الجيش خاطئ بالأساس، وأن تلك الشركات شركات عامة، استولى عليها النظام السابق، في ظل غياب الشفافية والمساءلة، الأمر الذي جعل معرفة حجم أصولها وإيراداتها غير ممكن»، مشيرا إلى أن «نظام عمر البشير لم يعد موجودا، وبالتالي يجب أن تعود تلك الشركات لولاية الدولة، لا أن تتم خصخصتها».
ومن المرجح أن يبيع الجيش تلك الشركات، حسب الجاك، لجهات ذات صلة بالعسكريين، مستفيدا من تجربة نظام الإنقاذ لشركات كبيرة ومنتجة لموالين له، بقيمة لا تساوي قيمتها الحقيقية وعبر قروض بنكية وإعفاءات، مشيرا إلى أنها كانت صفقات فاسدة كلفت البلاد الكثير، وأن العسكر ينتهجون ذات النهج.

«تخريب الاقتصاد»

وقال إن هذه الخطوة تهدف لتخريب الاقتصاد العام، والالتفاف على المجتمع الدولي.
وتساءل لماذا تريد السلطات الحالية خصخصة شركات كبيرة ومنتجة بينما يجب أن تعود للقطاع العام، معتبرا ذلك بيع لشركات الدولة بصورة ملتوية ومجرد عمليات سمسمرة.
وشدد على ضرورة عدم الشروع في أي خطوة بخصوص الشركات الخاصة بالجيش إلا في ظل حكومة منتخبة.
ويتفق الخبير الاقتصادي، محمد الناير، مع الجاك، بخصوص الأثر السلبي لخطوة الخصخصة، وفقا لتجارب سابقة فاشلة بالخصوص، ولكنه يرى في تصريح لـ»القدس العربي»، أن عرض تلك الشركات للاكتتاب العام وتحويلها لشركات مساهمة عامة يملك الجيش ووزارة المالية جزءا من أصولها ويكون لها مجلس إدارة ونظم للرقابة والمساءلة، قد يعتبر خطوة جيدة.
وأشار إلى أن «قيمة تحويل تلك الشركات لشركات مساهمة ستنعكس إيجابا على الاقتصاد القومي، ليس من ناحية العوائد فقط، ولكن من ناحية تطوير هذه الشركات وتوفير فرص عمل ووفرة في السوق والصادر، سيكون أثرها أفضل على الاقتصاد الكلي».
مع ذلك، فقد أكد أن «تحويل تلك الشركات إلى ملكية عامة للحكومة قد يقودها للفشل بالنظر للنماذج الفاشلة في الصدد.»
كذلك، حذر المحلل الاقتصادي، معتصم الأقرع، من خصخصة شركات الجيش في ظل السيولة الأمنية والسياسية الراهنة، مؤكدا أن الخصخصة لن تحل أي مشكلة من مشاكل الاقتصاد السوداني، بل ستقوم بتعقيدها ومفاقمتها.
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن خصخصة شركات الجيش تعني أن الحكومة التنفيذية ستكون مسؤولة عن توفير ميزانية للجيش، قد تكون أكبر من الميزانية العامة، أو أن الجيش السوداني سيضعف ويتفكك لضعف التمويل، معتبرا ذلك مؤشرا خطير جدا في الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد.
وأضاف: الخصخصة ستكون كارثة وحماقة كبرى، لافتا إلى أن من أكبر المشاكل التي يواجهها السودان العجز الكبير في الموازنة، الأمر الذي دفع الحكومة لطباعة أموال مؤخرا لتمويل نفسها والذي سيقود إلى مزيد من التضخم والانهيار في قيمة الجنيه السوداني في سوق العملة.
وتابع: عند خصخصة شركات الجيش سيزيد عجز الميزانية والتضخم وستقوم الحكومة بطباعة المزيد من العملات، مشيرا إلى أن نتائج الخصخصة ستكون وخيمة، في ظل الوضع السياسي والاداري الراهن في البلاد وحالة السيولة الكاملة للدولة التي تتسم بالضعف ولا تتمتع بأي تأييد شعبي، وكذلك في ظل عدم وجود برلمان يقوم بمراقبتها أو حريات صحافية، وأي ضمانات لعدم حدوث فساد في عملية خصخصة تلك الشركات.
وواصل: في خضم كل هذه الظروف، عندما تقوم السلطات بخصخصة شركات تصل قيمتها لمليارات الدولارات، فهي تفتح بابا كبيرا للفساد والتربح الشخصي على حساب الاقتصاد السوداني.
وشدد على أن خصخصة شركات الجيش قرار كبير جدا، ويجب أن تتخذه حكومة منتخبة أو حكومة لديها قاعدة عريضة وفي سياق مراقبة برلمانية وديمقراطية ورأي عام حر ونشط، لافتا إلى أن كل ذلك غير موجود وأن السلطات الحالية ليس لديها حق اتخاذ قرار بهذا الحجم لأنها لا تملك أي مشروعية سياسية ولا ديمقراطية ولا حسن إدارة.
وبين أن الوضع الأفضل لشركات الجيش أن تستمر كشركات حكومية، وتكون مسجلة بالصورة القانونية الصحيحة، وأن تكون تحت ولاية المالية أو أن تشارك على الأقل في إدارتها، وأن يمضي العمل فيها وفق الإجراءات الحكومية السليمة وتفعيل الشفافية والمساءلة.
وأضاف: يجب أن تستخدم أرباح تلك الشركات لدعم موازنة واقتصاد البلاد، بما يتضمن الجيش في إطار إدارة مسؤولة للشأن العام.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى