اخبار جنوب السودان

جدري القرود في 16 دولة حول العالم.. هل حان الوقت كي نصاب بالهلع؟

قناةالجزيرة – شادي عبد الحافظ

في سبتمبر/ أيلول/أيلول عام 2018، نشر فريق بلجيكي تابع لمؤسسة “ريجا” البحثية دراسة(1) حاول فيها تقصّي انتشار الإصابات السابقة بمرض جدري القرود منذ لحظة اكتشافه قبل نحو نصف قرن مضى وحتى عام 2017، ليصل في النهاية إلى نتيجة مفادها أن جدري القرود هو -ونحن نقتبس منهم حرفيا- “أهم الفيروسات الجدرية* في البشر على الإطلاق، سواء في المناطق الموبوءة أو على مستوى العالم”، مُضيفين أن جدري القرود “لم يعد مرضا نادرا” كما ظن بعض العلماء لفترة طويلة، بل إن الأمر يستحق المزيد من الاهتمام.

لم تكن المشكلة التي أثارت انتباه الباحثين في أعداد الإصابات خلال الفترة التي فحصتها الدراسة، ولكن في آلية التوزيع الجغرافي لانتشار المرض، وخط سيره منذ أُطلق عليه اسم “جدري القرود” سنة 1958 حينما اكتُشف بين عيّنة من القرود في أحد المخابر بمدينة كوبنهاغن الدنماركية. تكررت الملاحظات البحثية نفسها في عدة دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، لكن حتى تلك اللحظة كانت الإصابات حيوانية فقط.

تاريخ قصير للبثور
في 1 سبتمبر/أيلول عام 1970، دخل طفل يبلغ من العمر 9 أشهر فقط يُشتبه في إصابته بالجدري إلى مستشفى باسانكوسو، في المقاطعة الاستوائية بجمهورية الكونغو الديمقراطية. أُرسلت بيانات الطفل المريض إلى المركز المرجعي للجدري التابع لمنظمة الصحة العالمية في موسكو، لكن المرض لم يكن إصابة بالجدري العادي، كان شيئا آخر، تطلَّب الأمر عامين حتى تمكَّن فريق بحثي من هذا المركز من إثبات(2) أنها أول إصابة بشرية جدري القرود.

منذ تلك اللحظة، رُصدت إصابات بشرية بهذا المرض في إحدى عشرة دولة أفريقية تراوحت بين عدد أقل من أصابع اليد الواحدة وعدة آلاف، وهي الغابون وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيريا وجمهورية الكونغو ونيجيريا وكوت ديفوار وسيراليون وجنوب السودان وبنين والكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية، لكن كل شيء تغير في إبريل/نيسان 2003 حينما حُمل(3) المرض مع شحنة من الثدييات الصغيرة منها ستة أنواع من القوارض قادمة من غانا، تم استيرادها إلى تكساس، أدخلت فيروس جدري القرود إلى الولايات المتحدة لأول مرة.

كما تعرف، فإن ظهور المرض في أفريقيا وانتشاره هناك شيء، ووصوله إلى الولايات المتحدة الأميركية أو أوروبا شيء آخر مختلف تماما، منذ تلك اللحظة اهتم الباحثون بالمرض وتتبَّعوا خط سيره، ومع مزيد من التتبُّع ظهرت المزيد من الحالات(4)، في عام 2018 تخطى المرض حاجز الولايات المتحدة ليصل إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي والمملكة المتحدة. وفي عام 2019 ظهرت إصابات جديدة في المملكة المتحدة وسنغافورة، وفي 2021 ظهرت إصابات أخرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

انفجار أوروبي
هذه القفزات كانت سببا دعا الكثير من العلماء، إلى جانب الفريق البلجيكي السابق الإشارة إليه، إلى ضرب أجراس الإنذار بأن جدري القرود قادم لا محالة، لكن يبدو أن أحدا لم يستمع، هنا ظهرت الضربة الأقوى إلى الآن، في مايو/أيار 2022، بينما تُكتب هذه الكلمات، حيث رُصدت أكثر من 150 حالة إصابة في 16 دولة دفعة واحدة (5)، هي أستراليا وبلجيكا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي والنمسا وسويسرا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة والسويد والبرتغال وإسبانيا وهولندا والدنمارك (أعلى الإصابات كانت في بريطانيا وإسبانيا والبرتغال بمجموع 130 حالة).

الأسوأ من ذلك أن هناك مفاجأة جديدة في شكل انتشار المرض، فالكثير من الحالات الجديدة كانت إصابات مجتمعية، بمعنى أن هؤلاء المرضى تلقوا الفيروس من مواطن بالبلد نفسه، وهذا يُعَدُّ مستوى متقدما من الإصابة، لأنه يعني أن الفيروس قد انتشر داخل الدولة بالفعل، بعكس الحال مع الإصابات السابقة كانت الحالات خارج أفريقيا مقتصرة على أشخاص سافروا إلى أفريقيا أو تعاملوا مع حيوانات مستوردة مصابة، وعادة ما تكون القوارض هي المتهم الأول في هذه الحالة، حيث يمكن لهذا الفيروس أن ينتقل من الحيوان إلى الإنسان أو من إنسان إلى آخر.

كان هذا الانتشار الواسع المفاجئ هو ما أصاب العلماء بالدهشة، إلى جانب مشكلة أخرى وهي أن جدري القرود اكتُشف في أشخاص ليس لديهم صلة واضحة ببعضهم، الأمر الذي يُشير إلى أن الفيروس ربما كان ينتشر في صمت خلال فترة أطول مما نظن، الغريب أن جدري القرود -على عكس “كوفيد-19” مثلا- هو مرض له أعراض جلدية واضحة ستدفع المريض إلى الطبيب أو المستشفى، لكن يبدو أن عدم المعرفة السابقة بإمكانية انتشار المرض في أوروبا دفع بالأطباء إلى تشخيصات أخرى يتشابه المرض معها بالفعل.

تبدأ أعراض(6) جدري القرود بحمى وصداع شديدين وتورم في الغدد الليمفاوية وآلام في الظهر وآلام في العضلات مع إرهاق شديد، وهي كما تلاحظ أعراض مشابهة لنزلات البرد والإنفلونزا، ثم يظهر الطفح الجلدي بعد 1-3 أيام ويميل إلى التركيز على الوجه والأطراف، يتطور الطفح بالتتابع من مجرد لطاخات إلى حطاطات صلبة مرتفعة عن مستوى الجلد قليلا، ثم إلى حويصلات مليئة بسائل صافٍ، ثم بثور مليئة بسائل اصفر مع ظهور قشور تجف وتسقط. عادة ما تكون الإصابة بالمرض محدودة وتستمر من 2 إلى 4 أسابيع، لكن يمكن أن تحدث تطورات شديدة الخطورة (أكثر شيوعا بين الأطفال) تتمثَّل في مجموعة من الاضطرابات مثل التهاب الشعب الهوائية، وتعفن الدم، والتهاب الدماغ، وعدوى القرنية مع فقدان البصر، الأمور التي قد تؤدي إلى الوفاة.

الآن يمكن أن نصل إلى استنتاج بسيط بعد كل ما سبق من تطورات: جدري القرود جاء، لا ليقف، بل لينتشر، ولا نظن أن هناك مجالا لإيقافه الآن، وستستمر الحالات الجديدة بالظهور في أماكن متفرقة، ليس فقط لأنه انتشر إلى مستوى لا يمكن احتواؤه أو حتى تتبُّعه إلى الحالات رقم “صفر”، ولكن أيضا لأن أحدا لم يتوقع المفاجأة (رغم التحذيرات السابقة)، وبالتالي فإن المنظومات الصحية، سواء في الدول الأوروبية أو حول العالم، ليست مجهزة كفاية للتعامل مع وباء من هذا النوع.

“كوفيد-19” آخر؟
حسنا، بعد كل هذه الأخبار المفزعة لا بد أنك تتساءل عن مصير هذا الوباء الجديد، بل لا بد أنك تفكر في “كوفيد-19” تحديدا وانتشاره المتصاعد في العالم خلال 2020 وإجراءات الإغلاق وفقدان الأعزاء واضطراب الاقتصاد، لكن هنا تحديدا سيبدأ التفاؤل، لأن جدري القرود حتما ليس “كوفيد-19″، لأسباب عدة أولها يتعلق بطبيعة الفيروس نفسه، لقد كانت الشكوك الأولى لدى العلماء، مع دهشتهم من الإصابات المتفرقة في أوروبا، أن يكون الفيروس قد تحوَّر عن صورته الأولى التي شوهدت في أفريقيا، فأصبح أكثر قدرة على الانتشار.

ولكن في 19 مايو/أيار الحالي، نشر باحثون من المؤسسة الوطنية الصحية في البرتغال أول مسودة(7) لجينوم فيروس جدري القرود الذي اكتُشف في البرتغال، وأشارت إلى أن الفيروس المُكتشَف مرتبط بسلالة غرب أفريقيا الفيروسية، التي تُسبِّب أعراضا أقل خطورة ولها معدل وفيات أقل (نحو 1% فقط وفي منظومة رعاية صحية ضعيفة جدا)، مقارنة بسلالة وسط أفريقيا (حوض الكونغو) الأقوى نسبيا، هذا التشابه يُشير إلى أن الفيروس المنتشر حاليا يُرجَّح أن يكون غير مختلف، أي لم يتحوَّر كثيرا مقارنة بـ سابقيه.

جدري القرود تحت الميكروسكوب الإلكتروني
هذه المسودة غير كافية بالطبع، وما زلنا بحاجة إلى تأكيدات في هذه الناحية، خاصة مع مخاوف ممكنة من الإرهاب البيولوجي، لكن طبيعة الفيروس نفسه تُشير إلى أن هذا مُرجَّح، لأنه -على عكس الفيروس المتسبب في “كوفيد-19”- يُعَدُّ جدري القرود من فيروسات الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA virus)، ما يعني أن مادته الوراثية منسوخة على شريطين متقابلين من الحمض النووي بهما المعلومات نفسها، إذا حدث تلف أو تشوُّه (تطفّر) في أحدهما يساعد الآخر على إصلاحه(8).

أما بالنسبة لفيروسات الحمض النووي الريبوزي (RNA virus)‏ مثل الكورونا (سارس كوف-2) أو الإنفلونزا، فإن مادتها الوراثية منسوخة على شريط واحد فقط من الحمض النووي، يفتح ذلك فرصة أوسع وأسرع للتحوُّر، وهذا هو أهم أسباب مشكلتنا الحالية مع الكورونا أصلا، فمع ظهور أوميكرون على سبيل المثال انخفضت قوة الدرع الذي يحمينا منها، وهو اللقاح أو حتى الإصابة السابقة، إلى حدٍّ أدنى، لأن تحورات الفيروس الجديدة تجعله أكثر مكرا في التسلل إلى خلايانا.

يُضيف ذلك سببا آخر للاطمئنان، فلقاح الجدري المعروف يعمل بفاعلية تصل إلى نسبة 85% ضد جدري القرود(9)، لأن كلًّا منهما ينتمي إلى الفصيلة نفسها التي لا تتحور كثيرا مع الزمن، ما يعني أنه حتى في حالة حدوث تفشٍّ للمرض ولو في نطاقات محدودة، فإن هناك فرصة مدروسة سابقا ومُجرَّبة لإيقافه، وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت إلى أن الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 40 إلى 50 عاما قد يكونون أكثر عُرضة للإصابة بجدري القرود بسبب وقف حملات التطعيم ضد الجدري على مستوى العالم بعد القضاء على المرض في السبعينيات والثمانينيات.

كائن صغير.. خطير.. يتكاثر

إلى جانب ذلك، فإن أحد أكبر أسباب تفشّي “كوفيد-19” على مستوى العالم هو أن الفيروس يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر في حالة عدم وجود أي أعراض (قبل يوم أو اثنين من بداية ظهورها)، ما يعني سهولة أكبر في الانتشار الصامت بين الناس دون أن يدري أحد، أما جدري القرود فلا ينتشر إلا بعد ظهور الأعراض، وبالتالي يمكن اكتشافه بسهولة أكبر مع قدر من التوعية، خاصة أن أعراضه الجلدية واضحة للعيان، فهي تنتشر في مناطق ظاهرة من الجسم.

أضف إلى ذلك أن المرض لا ينتشر من مريض إلى آخر بسهولة “كوفيد-19” الذي يمكن أن ينتقل في غضون متوسط قدره 15 دقيقة من الوجود في الغرفة نفسها، أما في حالة جدري القرود فإن انتقال المرض يتطلَّب “اتصالا وثيقا” بين المصاب والشخص الذي سيتلقى العدوى حدّه الأدنى نحو 3 ساعات، وينتقل عبر اللعاب وإفرازات الأنف ورذاذ الجهاز التنفسي ومنتجات الطفح الجلدي الناتج عن المرض، وكذلك استخدام الأدوات المشتركة مثل الفراش والمناشف.

لهذا السبب كانت وكالة الأمن الصحي البريطانية قد كشفت منذ البداية أن انتشار المرض بدأ بشكل ملحوظ بين “المثليين ومزدوجي الميول الجنسية” في كلٍّ من المملكة المتحدة وأوروبا، وهذا يتوافق مع طريقة انتقال المرض، حيث يتطلَّب اتصالا وثيقا بين المصابين، والواقع أن أحد الأسئلة المطروحة بحثيا في الوقت الحالي هي إن كان الاتصال الجنسي أحد المسببات لانتقال المرض، لأنه لم يكن كذلك في وقت سابق.

لذلك فإن عدد التكاثر الأساسي (R0) المحسوب لجدري القرود أقل من 1، قدَّرته إحدى الدراسات(10) بـ 0.59، بينما الرقم في حالة “كوفيد-19” في المتوسط 3-4، يُمثِّل عدد التكاثر الأساسي عدد الحالات التي تُسبِّبها حالة واحدة خلال فترة احتضانها للمرض، وهو مقياس يساعد على تحديد شكل انتشار المرض بين الناس.

إذا زاد عدد التكاثر الأساسي على 1 فإن هذا يعني أن المرض مُرشَّح للتفشي بشكل أوسع، لأن كل شخص سيصيب في المعدل عددا أكبر، أما إذا كان أقل من 1 فإن هذا يعني أن الدائرة ستنغلق يوما ما، مثلا إن كان هناك 100 شخص مصاب فيصيبون في المعدل 60 شخصا، سيصيبون بدورهم 36 شخصا، وهكذا يستمر التناقص. لذلك فإن كل الاندلاعات الفيروسية السابقة لعام 2022 منذ اكتشاف الفيروس، وعددها يتخطى عشرين مرة، توقفت بعد فترة قصيرة، وشملت عددا قليلا نسبيا من الإصابات (بمعدل عدة آلاف في أفريقيا)، ولو كان للفيروس القدرة على التوسع مثل “كوفيد-19” لانطلق ناحية كل العالم في غضون أشهر. لاحِظ أن جدري القرود في النهاية ليس مرضا جديدا مثل “كوفيد-19”.

لا حاجة إلى الهلع إذن، حتى مع تفشي المرض بشكل أكبر، وهو ما ستسمع به خلال الأيام والأسابيع القادمة. بالطبع هناك دائما مجال للمفاجآت الفيروسية المرعبة، وهو ما شهدناه في بداية “كوفيد-19″، لكن إلى الآن، من المُرجَّح بشكل كبير جدا أن جدري القرود سينتشر من حين إلى آخر في نطاقات محدودة ثم يتوقف وينزوي مجددا.

المصدر : الجزيرة

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى