مقالات وآراء

أشرف عبدالعزيز يكتب : سيناريو تشكيل حكومتين وخطر التقسيم!!

في السابع والعشرين من سبتمبر 2023 تسربت وثيقة تحمل قرارا لقائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وضع بموجبه الإشراف على عدد من الوزارات لقادة الجيش ونائبه الفريق مالك عقار. القرار الذي صدر بتوقيع الأمين العام لمجلس السيادة الفريق محمد الغالي علي يوسف، حدد عددًا من الوزارات لكل عضو، للإشراف عليها، بالإضافة إلى الهيئات والمؤسسات الحكومية.
قبلها كان قد بدأ جدل وثارت مخاوف من الانقسام، خاصة بعد أن كشف عقار أن البرهان سيصدر قراراً بتشكيل حكومة جديدة من بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر نهاية سبتمبر 2023، وأن القرار سيُتّخذ بمجرد عودة رئيس المجلس الانتقالي من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وفور ذلك الإعلان، خرج قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، بإعلان مضادّ، تعهد فيه بتشكيل حكومة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قواته وعاصمتها الخرطوم.
بالتوازي، نظمت قوي شعبية وسياسية محسوبة على الجيش والنظام البائد مؤتمراً بضاحية أركويت في ولاية البحر الأحمر لتوحيد الصف الوطني ووضع نهاية لتمرد الدعم السريع وتشكيل حكومة مدنية لإدارة البلاد بحسب ماجاء في بيان المؤتمر الختامي، وهو ما يتوافق مع إعلان قوى أسمرا، ويتناغم مع تصريح البرهان في زيارته للدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق وتأكيد تفضيله خيار الحل الداخلي للأزمة عبر الحوار السوداني رداً على مبادرة الايقاد ويتسق مع ما جاء في خطابه للجمعية العمومية للأمم المتحدة بأن الحل يتطلب تشكيل حكومة انتقالية مدتها الزمنية قصيرة وتعمل من أجل التأسيس لانتخابات حرة ونزيهة. في المقابل علقت قيادات بارزة من قوى الحرية والتغيير على حديث حميدتي وعقّار محذرين من خطر التقسيم.
لقد فتحت التفاعلات المتبادلة بين رئيس المجلس السيادي عبدالفتاح البرهان وقائد قوات “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي” بشأن تشكيل حكومتين الباب واسعاً أمام تقسيم للسودان لن يقل عن ثلاث دول في أحسن الظروف، فهناك الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يتزعمها عبد العزيز الحلو والتي تسيطر على مناطق واسعة من ولاية جنوب كردفان، كذلك حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور والتي تسيطر على مناطق في جبل مرة.
بعد سقوط نظام البشير ظل الاسلاميون يعملون على إفشال حكومة الثورة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك وتقويض العملية السياسية، ونجحوا في ذلك بعد أن قاموا بتنفيذ انقلاب 25 أكتوبر، لكن واجهتهم عراقيل تمثلت في إعتراض قائد قوات الدعم السريع الفريق أول حميدتي على مخططاتهم التي تكشفت له لاحقاً بعد مشاركته في الانقلاب. وما أن بدأت عملية سياسية جديدة عرفت بالاتفاق الإطاري حتى سارع الاسلاميون بإجهاضها عبر الحرب التي أوقدوا نيرانها، وتمكنوا من خلال عناصرهم في الجيش إجهاض أي مبادرات لوقف الحرب.
عطفا على ذلك إذا لم يتحقق على الأرض متغير عسكري كبير أو اختراق في العملية السياسية سيواصل حزب الاسلاميين (المؤتمر الوطني المحلول) وحلفه السياسي الجديد في مسعاهم بتشكيل حكومة تصريف أعمال انتقالية تعمل من العاصمة الإدارية الجديدة في بورتسودان من دون الاكتراث لتهديدات قائد الدعم السريع الذي سيجد نفسه أمام خيار تكوين حكومة موازية في الخرطوم والاستمرار في الحرب ومحاولة الانتشار في جغرافيات جديدة، مما سيعني ضمنياً الإعلان الرسمي لتقسيم السودان الذي تتنازعه الان ثلاث قوى مسلحة فشلت في فرض الخيار العسكري في ظل انشغال القوى الإقليمية والدولية بتحدياتها الداخلية وعجز القوي السياسية والمدنية السودانية عن فرض متغير يصب في صالح الحل السياسي والسلام.
تحت عنوان السلطة الانقلابية ساقطة بطرفيها، علق الكاتب الصحفي نور الدين مدني بصفحته في فيس بوك على قرار اشراف الجيش على الحكومة ساقطة بطرفيها، قال: إن هذا القرار العبثي الذي يحاول فيه البرهان قفل الطريق أمام الحل السياسي والانتقال للحكم المدني الديمقراطي يتناسى الإرادة الشعبية القادرة على إسقاطه.
في 23 سبتمبر 2023، كتب الوزير السابق في حكومة عمر البشير حسن اسماعيل: من الطبيعي أن يتم تشكيل حكومة جديدة حسب الوعد يتم فيها إسقاط الأسماء الضعيفة والمشبوهة، اما القرار الحالي فقد مزق ما تبقى من اسم مجلس الوزراء نهائيا، وخلط خلطا مضرا بين مهام قادة المناطق العسكرية، ودورهم العسكري والسيادي ووضع رئاسة مجلس الوزراء في الخزانة.
وفي مقال نشر في 20 سبتمبر بموقع اندبندنت عربية ترى الكاتبة المصرية أماني الطويل أن المجتمع السوداني هشاً والانقسام ممكناً إذا لم يتم وقف الحرب الدائرة الآن وتشير بقولها: ( في ما يتعلق بالمكون المحلي في الأزمة فهو مرتبط بأبعاد تاريخية، منها أنه بلد حديث التكوين لم يعرف حدوداً مستقرة، حيث تكونت ممالك على أراضيه المعروفة لنا حالياً، واتسمت العلاقات بين هذه الممالك بالصراع تأسيساً على عوامل الانقسام العرقي الناتج من الفتح العربي في القرن الـ7، وكذلك الصراع على الموارد، وهي ممالك المقرة وعاصمتها دنقلا، ومملكة علوة وعاصمتها سوبا، ومملكة البجا في شرق السودان، ومملكة الداجو، ثم في مراحل تاريخية لاحقة مملكة الفونج).
إن فكرة التقسيم، وإن بدت عناصرها حاضرة من ضعف شديد في الدولة وتآكل مركزها، إلا أن تنفيذها يعني ببساطة تمدّد رقعة الحرب إلى حرب أهلية قبلية عرقية شاملة. وبالتالي عملياً ستشهد الفترة المقبلة تكثيفاً في العمل العسكري الميداني، لتحقيق مكاسب، أهمها إحكام السيطرة على العاصمة الخرطوم، باعتبارها المركز الأهم. يجري كل هذا المشهد وسط غالبية صامتة داخل القوات المسلحة ، يصفها أنصار النظام القديم بالطابور الخامس والمتواطئ مع أعداء الجيش والنظام القديم. ويضع آخرون الآمال في تحرّك غالبية فرق الجيش الصامتة والموزّعة في أقاليم السودان المختلفة، لردع أطراف الحرب، وإبعاد الأطراف المشاركة فيها عن المشهد السياسي. قد يكون في ذلك مخرج ومفتاح للحلّ.
بلاشك إن تقسيم السودان سيشعل حروباً أخرى لأنه سيؤدي لمزيد من الصراعات المسلحة وصراعات السلطة بين المناطق والجماعات العرقية المختلفة، التي ستتنافس للسيطرة على الأراضي أو الموارد أو النفوذ السياسي، وستستمر المظالم التاريخية والصراعات التي لم تُحل بعد، في تحريك مطالبات حق تقرير المصير.
يقول الكاتب والمحلل السياسي محمد جميل في مقال نشر بموقع إندبندنت عربية (21 سبتمبر) يقول: (إن منطق الحرب الأهلية ما إن يستقل بدينامياته سيفرز بالضرورة واقعاً جديداً وخطراً جداً لأنه متى ما توافرت شروط الحرب الأهلية الشاملة فإن ذلك سيؤدي إلى أن يكون كل من الجيش و”الدعم السريع” لاعبين ثانويين أو غير مهمين، بمرور الزمن، لأن الهوية النظامية ستنتفي عن أي جندي ينضم إلى حرب أهلية وسيتطلب ذلك أن يخلع زي الجيش أو “الدعم السريع” ليكون جندياً منضوياً تحت لواء قبيلته التي تحميه، بالتالي سيختفي كل من الجيش و”الدعم السريع” في أتون حرب أهلية طاحنة.
من خلال الزيارات التي قام بها البرهان للعديد من الدول سواء في المحيط الإقليمي أو الدولي إتضح تماماً أن تحركات رئيس المجلس السيادي تشير إلى رغبته في الاستمرار بالمشهد السياسي كرئيس للبلاد في المعادلات المستقبلية، وهو ما يفسر لنا طبيعة تفاعلاته مع القوى السياسية المتصارعة داخلياً، وأيضاً طبيعة تحركاته الخارجية أخيراً، لكن ثمة تحديات تواجه هذه الرغبة أولها على الاطلاق رفض قائد قوات الدعم السريع الفريق حميدتي لها وتهديده بتشكيل حكومة موازية، كذلك المجتمع الدولي يرفض تشكيل حكومة في هذا التوقيت لأنها ستطيل أمد الحرب ومن هنا تقرأ الضغوط التي واجهها الجنرال البرهان على هامش لقاءاته إبان الجمعية العامة للإمم المتحدة فمدعي المحكمة الجنائية الدولية قال إن التحقيقات بشأن جرائم الحرب في دارفور ستشمله ولم تكن مستشارة وزير الخارجية الأمريكية مولي في رقيقة معه كما أظهرت الصور كما مثلث كلمة رئيس قطر تميم ضربة قاضية بالنسبة للبرهان والمؤيدين استمرار الحرب في الخرطوم. هذا ما أكده الباحث الإقتصادي باتريك هاينش في تغريدة له بمنصة تويتر حيث قال: (إن خطط ومساعي البرهان الدبلوماسية لم تؤت أكلها لأنه لم يجد الدعم اللازم حتى من حلفائه لتشكيل حكومته المرتقبة فالرئيس عبدالفتاح السيسي رفض الفكرة متخوفاً من تكرار السيناريو الليبي). وكان مدير تحرير صحيفة الأهرام المصرية أشرف العشري أشار في لقاء مع قناة العربية الحدث إبان زيارة البرهان إلى القاهرة أن مصر ستطلب منه وقف أي خطوة من شأنها تشكيل حكومة مؤقتة في السودان)؟
طوافات البرهان والحديث عن تشكيل حكومة مستقلة تؤسس لانتخابات من خلال فترة انتقالية قصيرة جعل فكرة تقسيم السودان فكرة لم يعد محظور الخوض فيها، خاصة في ظل الأحداث الجارية وتصريحات أقطاب الحرب أو ممثليهم، والتحركات والاستقطابات بين القبائل العربية والأفريقية وعبرها في شرق البلاد وغربها، وإصرار أطراف الصراع على الحسم العسكري، وتدخلات خبيثة من قوى خارجية، تجعل هذا الاحتمال قاب قوسين أو أدنى من أن يكون حقيقة واقعة في القريب العاجل، إذا لم يتم الضغط على البرهان وأعوانه من الإخوان.
الحديث عن حكومتين لا يدق ناقوس الخطر بالنسبة للمستقبل الذي سينتج جراء هذه الخطوة، ولكنه من حيث المبتدأ سيضعف الحكومة المركزية لتطغى عليها طموحات (البرهان – حميدتي)، وهذا يعني أن كلا الفصيلين (الجيش – الدعم السريع) سيعملان على تعزيز سلطتهما في المناطق الخاضعة لسيطرتهما وفي ذلك تفكيك للحكومة المركزية وظهور مناطق الحكم الذاتي وعودة تكرار سيناريو انفصال جنوب السودان.
من الواضح أن الحل يتمثل في اصطفاف شعبي لإيقاف الحرب باعتبار أن ذلك وسيلة ضغط مجربة ولها تأثير بالغ على طرفي الصراع، لكنها تتطلب جهداً سياسياً وشعبياً واسعا لرفض استمرار الحرب في الخرطوم وامتدادها إلى بقية ولايات البلاد، ومن الممكن ممارسة الضغط الشعبي بالتظاهر والاعتصامات في الولايات الآمنة، ولكن أيضاً يتطلب ذلك إجماعاً شعبياً داخل الولايات أولا، ثم التحرك بشكل أوسع للضغط على الجيش والدعم السريع لدفعهما إلى للتفاوض وإيقاف الحرب، وحتى الآن هناك صعوبات تواجه الضغط الشعبي وأبرزها ما قاله القيادي بقوى الحرية والتغيير لصحيفة الشرق الأوسط أول أمس أن «الحركة السياسية التي هجرت ونزحت من أهم مراكزها في العاصمة الخرطوم، تحتاج إلى وقت لإعادة ترتيب أجندتها وتنظيم صفوفها»، وما لم يقله عرمان هو أن الجبهة المدنية لوقف الحرب لم تتشكل بعد للخلافات الضاربة بأطنابها وسط القوى المدنية في وقت ما تزال فيه الضغوط الدولية على طرفي القتال غير كافية.
الأمل الوحيد هو أن معظم دول العالم وخاصة الكبرى منها ترى أن تقسيم السودان ستعقبه كارثة إنسانية كما سيضعف الاستقرار في المنطقة ويجعل من الصعب على الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تحقيق أهدافهم في الشرق الأوسط بل سيتيح الفرصة للتنظميات المتطرفة لتحط رحالها في السودان وعليه أفضل طريقة لحل الأزمة في السودان هي من خلال التفاوض لوقف الحرب والتوصل إلى حل سلمي يضمن حقوق جميع الأطراف السودانية ولعل ذلك ظهر جلياً من خلال اتفاق المجتمع الدولي في الجمعية الأخيرة للأمم المتحدة على ضرورة وقف الحرب في السودان.
الجريدة

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى