مقالات وآراء

“عبد الباري” رجل الكواليس الغامض.. هل يحكم السودان ؟

الجميل الفاضل – سودان تربيون

قال السفير دانيال شابيرو، وهو زميل متميز بالمجلس الأطلسي بواشنطن، وكان كبير مديري إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمجلس الأمن القومي الأمريكي في عهد أوباما، وقبل ذلك كبير مستشاري السياسات بحملة أوباما الرئاسية: “نصر الدين عبد الباري يمثل صوتاً مهماً ورصيناً بشأن الفرص والتحديات التي تواجه السودان وهو يتقلب بين تغيير داخلي، ودوره المتطور في المنطقة.”

الفقرة الأخيرة جاءت في تصريح شابيرو كبير مديري إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمجلس الأمن القومي الأمريكي السابق بمناسبة تسمية نصر الدين عبد الباري زميلا رفيعا ببرامج الشرق الأوسط بمجلس الأطلسي مؤخرا، لتكشف عن تطلع أمريكي لا يخفي “لدور متطور للسودان في المنطقة”.

بل أتصور الآن إن هذه المهمة بالتحديد، هي التي دفعت السفير دانيال للتعويل علي أن “عبد الباري” يمكن أن يمثل صوتا مهما ورصينا بشأن الفرص والتحديات التي تواجه السودان، وهو يتقلب بين تغيير داخلي.

فالتعويل الامريكي الكبير علي “عبد الباري” لم ينشأ أصلا من فراغ، بل من واقع تجربة عملية جني ثمارها رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الذي ثمنت وكالة بولمبيرغ جانبا من أعمال حكومته الجريئة وغير المسبوقة علي مستوي المنطقة، التي اطلع بها نصر الدين عبد الباري نفسه.

والتي أدرجت بسببها وكالة بلومبيرغ قبل عام تقريبا عبد الله حمدوك ضمن أكثر 50 شخصية مؤثرة حول العالم بحسبان انه قد ادخل مجموعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اعتبرتها الوكالة، الأعمق في العالم الإسلامي كله منذ عقود.

بل أعتبر تقرير بولمبيرغ في ذلك الوقت، ان حكومة حمدوك قد طبّقت ستّ سياسات رئيسة جديدة، ربما كانت أجرأ التغييرات في العالم الإسلامي منذ قرن “وفق تعبير الوكالة”.

وقال تقرير بولمبيرغ: ان حكومة حمدوك شرعت في برنامج إصلاح اجتماعي سياسي جريء ومفاجئ.

مشيرة إلى أن الإصلاحات التي أدخلتها حكومة حمدوك في يوليو من العام الذي سبق شملت تعديلات وإصلاحات في القوانين ألغت بموجبها قوانين تُجرّم الردّة، وعقوبة الجلد، وجرّمت بتر الأعضاء التناسلية الأنثوية، كما ألغت القانون الذي يُطالب النساء بالحصول على تصريح من أحد أفراد الأسرة الرجال للسفر مع أطفالهن، وغيرها من القوانين واللوائح التي قد تدخل في تضييق الحريات العامة و الشخصية.

وقال التقرير: إن أكثر ما يلفت الانتباه هو أن حكومة حمدوك تعهدت بفصل الدين عن الدولة، مُنهيةً ثلاثة عقود من الحكم الديني، وشبهت الوكالة الإصلاحات القانونية التي ادخلها حمدوك بيد “عبد الباري” علي البنيات الأساسية المتعلقة بالحريات الدينية، بما قام به آخر زعيم مسلم حاول مثل هذا التحول هو “كمال أتاتورك”، الذي حوّل تركيا إلى جمهورية علمانية في عشرينيات القرن الماضي .

وكان تقريرا لإذاعة “مونت كارلو الدولية” قد أطلق قبل نحو عامين علي “عبد الباري” وصف “عراب تجريم التكفير، وختان الإناث”، أشار التقرير إلى أن نصر الدين عبد الباري شرع في تنفيذ إصلاحات كبيرة في المنظومة العدلية السودانية، تهدف إلى بسط حريات أكبر، وتحقيق المساواة المطلوبة في المجتمع.

وأن إصلاحات عبد الباري شملت عدة مواد من بينها إلغاء حد الردة، وتجريم التكفير، ومنع ختان الاناث، وإعطاء المرأة الحق في اصطحاب أبنائها في السفر، والسماح لغير المسلمين بشرب وتداول الخمر.

وقالت الإذاعة الدولية إن وزير العدل السوداني الشاب صاحب الـ34 سنة بدا مقنعاً، وعلى ثقة في تناوله للإجراءات الآخيرة، التي قامت بها وزارته وقدم مبررات وتفسيرات للمواد مثار الجدل، في لقاء على التلفزيون السوداني هو الأول منذ توليه المهمة.

بل وفي أطار ادوار معتدية أخرى لمهامه كوزير للعدل، كان قد وقع عبد الباري مطلع العام الماضي إنابة عن السودان، وعن وزير الخارجية المختص، علي “اتفاقيات أبراهام”، بمقر سفارة الولايات المتحدة بالخرطوم تمهيدا لتطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل، التي وقع للغرابة أيضا إنابة عنها وزير الخزانة الأمريكي السابق ستيفن منوشين.

وفي ذات السياق بدا لافتا أيضا ان عبد الباري قد التقي قبل نحو اثني عشر يوما فقط من انقلاب البرهان باثنين من كبار المسؤولين الحكوميين الإسرائيليين أثناء زيارة غير معلنة للإمارات العربية المتحدة.

رشح انه اتفق مع المسئولين على ضرورة العمل من أجل تطبيع العلاقات خلال الشهر نفسه كجزء من “اتفاقيات إبراهيم”.

حيث استهل عبد الباري اجتماعاته بلقاء وزير الشؤون الإقليمية الإسرائيلي عيساوي فريج من حزب “ميرتس”، الذي ناقش معه مشاريع ثنائية القومية، وتعزيز العلاقات.

وبحسب مكتب فريج، قال عبد الباري إن على السودان وإسرائيل العمل معا في مشاريع تعليمية وثقافية مشتركة لتعزيز العلاقات بين الدولتين.

واقترح عبد الباري خلال الاجتماع وضع برنامج للتبادل.

وقال عبد الباري”أنا أؤمن بقوة التعليم والروابط الثقافية، لذلك أعتقد أنه يجب علينا التواصل على المستوى الثقافي والتعليمي قبل الترويج للمشاريع الاقتصادية”.

وأضاف أن “اتفاقيات إبراهيم” في العام الماضي كانت “خطوة صحيحة وضرورية” نحو السلام الإقليمي.

ووفقا لمكتب فريج، قال “عبد الباري”: “في البداية، تقبل مجموعة صغيرة التغيير، ثم تنضم المزيد والمزيد من المجموعات” – في اشارة لتباين المواقف السودانية حول التطبيع مع إسرائيل -.

ومن جهتها أكدت وزارة الخارجية الاسرائيلية كذلك أن نائب وزير الخارجية عيدان رول التقى بشكل منفصل مع عبد الباري.

وبحسب الخارجية الإسرائيلية، اتفق رول وعبد الباري على التعاون المستقبلي في مجال التدريب التكنولوجي الذي يهدف إلى إعداد المواطنين لمتابعة مهن عالية التقنية.

وقال رول عقب الاجتماع “هدفنا هو التعاون في التدريب التكنولوجي من أجل مساعدة الشباب من جميع جوانب الاتفاقيات للتكيف مع التغيرات في سوق العمل ومنحهم المزيد من القدرات التي يمكنهم أيضا المشاركة فيها عن بُعد، كجزء لا يتجزأ من صناعة التكنولوجيا”.

كما شدد رول على أهمية توقيع السودان وإسرائيل على اتفاقية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين، وصنف الاجتماع -الذي جاء قبل أقل من أسبوعين من الانقلاب- علي انه “جزء من القوة الدافعة لاتفاقات ابراهام”.

وبعد الانقلاب كان نصر الدين عبد الباري قد خاطب الرأي العام الإسرائيلي بمقال نشرته صحيفة ( هارتس) الإسرائيلية تحت عنوان ”إسرائيل يجب ان تدين انقلاب السودان”، قال فيه: ان الرأي العام في السودان يدعم التطبيع مع إسرائيل ولا يعارضه.

وقال نصر الدين في مقاله ” ان استمرار العلاقات رغم وقوع الانقلاب يشير إلى أن إسرائيل تدعم المكون العسكري على حساب القوى الديمقراطية المدنية، ومن اجل علاقات أفضل في المستقبل على إسرائيل ان توضح موقفها من إضعاف التحول الديمقراطي بواسطة العسكر الذين تدعمهم.

وتابع عبد الباري لكن التغيير الاستراتيجي بشان التطبيع يتطلب ان تدعم إسرائيل القوى المدنية التي تسعي لتأسيس نظام ديمقراطي لا يهدد احد.

وأردف قائلا: إن اتخاذ خطوات عملية للتطبيع بين إسرائيل والسودان يعكس تغييرات جذرية في السودان، خاصة لتحقيق المصالح المشتركة في التعاون الأمني والتبادل الثقافي والأكاديمي والتعاون في مجالات التكنولوجيا والزراعة وغيرها. و ان موقف إسرائيل غير الواضح من الانقلاب يدعم القوى المناهضة للتحول الديمقراطي وانه لا تراجع عن هذا الطريق اذ لا مكان لهذا النظام الانقلابي في السودان أو أي مكان آخر.

المهم رغم نفي المتحدث باسم مركزي الحرية والتغيير جعفر حسن، لأنباء عن ترشيح تحالفه نصر الدين عبد الباري لمنصب رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية المرتقبة، إلا أن ما يجري الآن وراء الستار، يمكن ان يرجح أيضا حظوظ عبد الباري في الحصول علي المنصب بأكثر من سواه، لاعتبارات تتصل باستكمال ما بدأه الرجل من خطوات اعتبرتها الدوائر الغربية المؤثرة علي أوضاع السودان، التغييرات الأعمق والاجرأ التي تحدث في بلد إسلامي منذ نحو قرن؟!.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى