مقالات وآراء

د. الشفيع خضر سعيد يكتب : المشورة الشعبية والمؤتمر الدستوري في السودان

في مقالنا السابق، لخصنا فحوى رسالة إحدى مجموعات الشباب في مدينة أمدرمان، والتي تسأل عن مفهومي «الأزمة الوطنية العامة في السودان» و«المؤتمر القومي الدستوري» وعن كُنه وطبيعة تلك العلاقة الوثيقة التي تربطهما بالأزمة الراهنة في البلاد؟
وحيز النشر سمح لنا فقط بتناول الشق الأول من السؤال المتعلق بجوهر الأزمة الوطنية العامة، والذي لخصناه، حسب وجهة نظرنا، في فشل النخب السياسية والقوى الإجتماعية التي شكلت الأنظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت علي حكم السودان منذ فجر الاستقلال وحتى يومنا هذا، في تقديم الإجابات المتماسكة والمتوافق عليها على أسئلة التأسيس التي تشكل لب القضايا الدستورية والهيكلية المؤسسة لدولة سودان ما بعد الاستقلال، والتي تشمل ماهية نظام الحكم الذي يحقق المشاركة العادلة في الحكم بين مكونات البلاد القومية، وكيفية التوزيع العادل لموارد البلد وثرواتها بين هذه المكونات، وماهية علاقة الدين بالدولة، وماهية هوية السودان.
وقلنا إن هذه الأسئلة ظلت، منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم، بدون إجابات شافية، كما أنها تعقدت بالمعالجات القاصرة والخاطئة علي أيدي النخب الحاكمة. لذلك، الأزمة الوطنية العامة في السودان، ليست بالسطحية أو العابرة المؤقتة، وإنما هي عميقة وشاملة ومزمنة، وظلت تتجلى في الحروب الأهلية، والتردي السياسي والاقتصادي والإجتماعي، وعدم الاستقرار وتعاقب الانقلابات العسكرية والانتفاضات الشعبية…إلخ.
وفي هذا السياق، نقرأ إنقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وما أفرزه من واقع مأزوم يسعى للإرتداد بثورة ديسمبر/كانون الأول وخيانة دماء شهدائها.
ومن الواضح، والبديهي أيضا، أن الأزمة الوطنية العامة في السودان، بهذا العمق في جوهرها وهذه الامتدادات في جذورها، وهي إذ تتعلق ببناء وطن ودولة، لا يمكن حلحلتها وعلاجها، وفق مشروع أو برنامج أحادي لهذا الفصيل أو ذاك، ولا لمجموعة من الفصائل المتحالفة، مهما إدعى أي منهم انطلاق رؤيته من منصة ثورية أو من قدسية دينية. فحلحلة الأزمة وعلاجها لن يتأتيا إلا عبر حوار وطني يلتئم تحت ظلال الديمقراطية والحريات، وتساهم فيه كل قطاعات الشعب، إلا من إرتكب جرما في حق الوطن والمواطن، فهذا مكانه ساحة القضاء والعدالة. في هذا السياق، وفي رحم الأزمة الوطنية العامة الممسكة بخناق السودان منذ فجر استقلاله، تخلّقت فكرة المؤتمر القومي الدستوري، والتي تعني، باختصار، أن يتوافق السودانيون، بمختلف انتماءاتهم الفكرية والثقافية والإثنية والسياسية، ووفق مبدأ التنازل المتبادل، أو المساومة التاريخية، أن يتوافقوا جميعا على إجابات لأسئلة التأسيس لدولة سودان ما بعد الاستقلال الوطنية، والتي أشرنا إليها أعلاه وفصّلناها في مقالنا السابق، ومن ثم تضمين هذه الإجابات، وغيرها، في مشروع وطني وثوابت دستورية مجمع عليها، تشكل أساس مواد الدستور الدائم للبلاد.
قبيل نهاية ديكتاتورية نميري، لاحت في الأفق السياسي بعض معالم فكرة المؤتمر الدستوري باعتباره أداة للخروج من الأزمة وبداية الطريق لإنقاذ الوطن.

حلحلة الأزمة في السودان وعلاجها لن يتأتيا إلا عبر حوار وطني يلتئم تحت ظلال الديمقراطية والحريات، وتساهم فيه كل قطاعات الشعب

وبعد انتفاضة أبريل/نيسان 1985، سرعان ما احتلت الفكرة مقدمة أجندة المسرح السياسي، ثم أخذت تتبلور تدريجيا نحو شكل ملموس، فتم تشكيل اللجنة التحضيرية العليا للمؤتمر من كل القوى السياسية، وكنت أحد أعضائها، وبدأت مناقشات التحضير للمؤتمر تجري على قدم وساق، سوى في داخل لجنته التحضيرية العليا أو خارجها، بين القوى السياسية المختلفة، وفي منابر العديد من منظمات المجتمع المدني ومراكز البحوث، وعلى صفحات الصحف ومن خلال أجهزة الإعلام المختلفة، وعبر المبادرات العديدة التي قامت بها وزارة السلام آنذاك، خاصة تجاه إقناع الحركة الشعبية لتحرير السودان للمشاركة في المؤتمر. تطورت تلك المناقشات لتتناول كيفية عقد المؤتمر، ومن سيشارك فيه، ومتى يعقد….إلخ، بحيث إكتست التصورات حول المؤتمر الدستوري لحما وعظما، وأكتسبت طابعا ملموسا، كما سنورد أدناه.
تحدد شهر سيتمبر/أيلول 1989 لبدء الخطوات العملية لإنعقاد المؤتمر الدستوري، وبمشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان/جون قرنق، والجبهة الإسلامية القومية التي كانت عضوا في اللجنة التحضيرية العليا للمؤتمر. لكن، في 30 يونيو/حزيران 1989 نفذت الجبهة الإسلامية إنقلابها العسكري مجهضة العملية، في تأكيد واضح بأن الانقلاب جاء خصيصا لتحقيق هذا الإجهاض، استجابة لموقف الجبهة الإسلامية القومية الأيديولوجي تجاه أسئلة التأسيس التي كان سيخاطبها المؤتمر.
المؤتمر القومي الدستوري ليس مجرد جلسات حوار ومداولات كبقية المؤتمرات، وإنما هو سلسلة عمليات مركبة جوهرها المشورة الشعبية، وبمشاركة كافة الأحزاب السياسية، وسائر قطاعات المجتمع، واتحادات العاملين والمزارعين، ومنظمات المرأة والشباب والطلاب والمنظمات المدنية الأخرى، وزعماء القبائل والعشائر، وممثلي القوميات والمجموعات التي تطرح قضايا الأطراف، والشخصيات الوطنية…الخ، ويساهم في أعماله أوسع قطاع من الجماهير، في القرى والأحياء، عبر الإعلام المسموع والمقروء والمرئي، وعبر ورش العمل والسمنارات..الخ.
ومن هنا شرط أن يتم انعقاده في أجواء تتمتع بالحرية والديمقراطية، وتسمح بالحوار الحر الواسع دون قيد أو شرط أو رقيب.
والمؤتمر الدستوري، لا يمكن إختزاله في مجرد جلسات بهدف الاتفاق على اقتسام السلطة، فهو أكبر من ذلك بكثير، لأنه أولا، ينطلق من حقيقة الإقرار بواقع التعدد والتنوع السياسي والعرقي والثقافي والديني في السودان، والإقرار بوجود مظالم حقيقية تعاني منها المناطق الطرفية.
وثانيا، هو يعني بمسألة إعادة بناء الدولة السودانية الحداثية المستندة إلى دستور وقوانين وأنماط حكم تراعي واقع التعدد المشار إليه.
وثالثا، هو يعني بمسألة إزالة أسباب الحرب الأهلية ونشر السلام وترسيخ وحدة السودان بحيث تأتي طوعا وفق الإرادة الحرة لكل أهله. لذلك، فإن ما سيبحثه جدول أعمال المؤتمر سيفضي إلى ثوابت دستورية مجمع عليها، وهي التي ستشكل مواد الدستور الدائم للسودان.
وبحكم طبيعة القضايا التأسيسية التي سيعالجها المؤتمر الدستوري، فكأنه يدعو السودان، بتعدد قومياته وأعراقه ومعتقداته الدينية وجذوره الثقافية والحضارية، لأن يختط منهجا خاصا به لحل معضلاته المزمنة كيما يستقر دولة حديثة جديرة بأهله، ورقما ينتزع اعتراف العالم.

القدس العربي

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى