مقالات وآراء

حيدر المكاشفي يكتب : انهم يعيشون مع الذئب ويبكون مع الراعي

حالة اللاحكومة وشبه الدولة التي تكابدها البلاد منذ الانقلاب، أنتجت الكثير جدا من المشاهد العبثية التي لا توصيف ولا تعريف لها الا كونها حالة من الاستهبالات المتعددة والمستمرة، استهبالات سياسية واستهبالات دينية واستهبالات قانونية وعدلية واستهبالات أمنية وعسكرية، والاستهبال الديني هو أخطرها كما قال عنه ابن خلدون (الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جدا في عصور التراجع الفكري للمجتمعات)..سيل متدفق من الاستهبالات لا ينقطع في كافة المجالات، تسمع وتقرأ اليوم عن استهبال سياسي، وغدا عن ديني واليوم الذي يليه عن قانوني وهكذا دواليك حتى غرقت البلاد في دوامة من الاستهبالات غير المعقولة وغير المقبولة حتى وصلت حد السخف، فمنذ أن بدأت موجة الاستهبالات مع انقلاب الانقاذ عام 1989، الذي دشن عهده المشؤوم بالمقولة الاستهبالية الذائعة (اذهب الى القصر رئيسا وسأذهب الى السجن حبيسا)، ما زال المد الاستهبالي متواصلا الى يوم السودان المنكوب هذا، ومثل عبارة (اذهب الى القصر رئيسا وسأذهب الى السجن حبيسا)، دشن البرهان انقلابه بعبارة استهبالية مخاتلة (تصحيح مسار الثورة)، ثم توالت وتواترت الحركات الاستهبالية،
نذكر منها على سبيل التمثيل للاستهبال السياسي، كنكشة وتشبث موقعي اتفاق جوبا بمقاعد السلطة في كل الحالات، في حال حل الحكومة أو بقاءها، وفي حال تكوين حكومة من كفاءات مستقلة لا تنتمي سياسيا ولا حركيا، فمن استهبالهم انهم يعتمرون أكثر من طاقية ويدخلون المحاصصة بأكثر من صرفة، يعني بالدارجي (طالعين ماكلين نازلين ماكلين) كالمنشار، مرة يعتمرون طاقية سلام جوبا ويتركشونها كمان،بعد ان ضمنت لهم محاصصاتهم ومخصصاتهمووضعوها في جيوبهم وتوهطوا في وظائفهم الدستورية، ومرة اخرى يخلعون طاقية جوبا ويستبدلونها بطاقية قوى الحرية والتغيير بعد ان اضافوا لها عبارة (التوافق الوطني)..
أما الاستهبالات العسكرية والامنية فهي كثيرة تجل عن العد، حسبنا منها الاستهبال الشهير بأن شهداء الثوار قتلهم طرف ثالث، وهذا الأخير الذي جاء عند استقبال البرهان لوفد من قبيلة المسيرية، ففي اللقاء الذي عقده البرهان معهم، قال فيما قال (لا توجد حكومة في البلد بدليل استقبال ايلا استقبال الفاتحين رغم أوامر القبض الصادرة في حقه)..أما ان البلد بلا حكومة فتلك حقيقة يقر بها البرهان على طريقة (دقاني بكى وسبقني اشتكى)، فما من متسبب غيره وانقلابييه العسكريين والمدنيين فيما تعانيه البلاد من فراغ وفوضى..
أما العجب العجاب الذي أتى به، فهو تدليله على عدم وجود حكومة استقبال ايلا استقبال الفاتحين رغم أوامر القبض الصادرة في حقه، فمن تراه غيره واجهزته الامنية والاستخبارية والشرطية والنيابية التي تقبض على ايلا، هل يقبضه ويودعه الحبس على ذمة البلاغات المفتوحة ضده عم عجب الدور غفير العمارة مثلا، فمثل قول البرهان هذا يصدق فيه قول بديع الزمان الهمذاني (رأيت الناس خداعا إلى جانب خداع يعيشون مع الذئب ويبكون مع الراعي)، وليس هناك من تفسير لقول البرهان هذا غير أنه استهبال أمني وعسكري، اذ كانت سلطات الأمن بمدينة الابيضقد القت القبض على ثلاثة معلمين وأودعتهم الحراسة في ذات الوقت الذي كان البرهان يقول حديثه هذا لوفد المسيرية، ولم يرتكب أولئك المعلمون أي جرم وكانوا فقط يطالبون بتحسين أوضاع المعلمين، بينما ايلا يواجه بلاغات متعلقة بتجاوزات ادارية وفساد مالي، فتعجب من هذا التخليط والتلبيس..
الجريدة

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى