مقالات وآراء

حيدر المكاشفي يكتب : لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

الكارثة ماحقة والمحنة كبيرة التي يكابدها أهلنا الذين تضرروا ضرراً بالغاً من السيول والامطار، وتبقى عملية إنقاذهم وإعادتهم الى حياتهم الطبيعية معركة وطنية بكل المقاييس، ويتوجب على الجميع ان يخوضوها بروح وعزيمة وطنية خالصة، تحت شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) وهو الشعار الذي رفعته وسائل الإعلام والقيادات السياسية المصرية بعد نكسة 67 وتردد في خطب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، حيث حاول عبد الناصر وقتها جمع شمل المصريين والعرب لرفع آثار العدوان الإسرائيلى على مصر وسوريا، وانعكس هذا على سلوك الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد، فكل فرد من أفراد المجتمع شارك بدرجة ما وبشكل ما في إعداد الدولة للمعركة، ولم يتخلف الفنانون في خوض المعركة حيث تفرغت المطربة الفذة الراحلة ام كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية وغيرهم لدعم مجهود المعركة، باقامة عدة حفلات باثمان كبيرة للتذكرة وكانت الجماهير تتدافع لتلك الحفلات للاسهام في المعركة، وكذلك كانت هناك أيضاً إسهامات من جانب المقاولين والتجار فكانوا يساهمون بعربات النقل الخاصة بهم، وباختصار كان كان الكل يقدم ما يملك..
وفي السودان شهدنا عدداً من الملاحم الوطنية الرائعة التي انتظمت في كوارث سابقة، نذكر منها تلك الملحمة التي خاضتها مجموعات من الشباب ونظمت نفسها تحت لافتة (شباب نفير)، وقدمت هذه المجموعة الشبابية أروع الأمثلة وأروع ما في الشعب السوداني المعروف بنجدة الملهوف والمكروب، وأبلت بلاء عظيماً وكبيراً في درء آثار الكارثة حتى سحبت البساط تماماً من تحت أقدام الحكومة البائدة ومنظمات الحزب الحاكم المحلول الهلامية، ثم توسعت المجموعة وانداحت وتدافع إليها الشباب زرافات ووحدانا، وشمروا عن سواعد الجد وكفكفوا ملابسهم وغاصوا في المياه والطين يفتحون المجاري وينقلون المصابين والجرحى والموتى ويقدمون العون الغذائي والطبي،
حتى (الحناكيش) تفاعلوا وانصهروا معهم في هذا العمل الوطني دون كلل أو ملل، وشاركهم أصحاب الضمائر الحية كل وفق ظروفه وطاقاته منهم فنانون وفنانات ورأسمالية غاصوا معهم داخل المياه وخاضوا الوحل والطين، وكانت ظلال الأشجار وبعض المكاتب التي تبرع بها أصحابها هي الأمكنة التي ينطلقون منها لتقديم الغوث والنجدة، وكانوا يوميا يتعلمون دروساً جديدة في عمليات الرصد ووضع قواعد البيانات الدقيقة وتنظيم عمليات الطواف الميداني، وانتهجوا أساليب غاية في الشفافية والدقة والنزاهة، وظل البعض منهم يعملون ولعدة أيام متواصلة دون أن يغادروا أماكن عملهم في ثبات ونكران ذات وببسالة نادرة. وما كانوا ينتظرون ثناء من أحد بل للمفارقة واجهتهم الحكومة المخلوعة وواجهاتها بالحسد والعداء،
ونذكر من الملاحم كذلك ملحمة نهر القاش وملحمة توتي التي خلدتها الاغنية الشهيرة للمطرب الراحل ابن توتي حمد الريح، ووثقت لتلك الملحمة الرائعة التي تصدى فيها الاهالي ببسالة مشهودة لحماية مدينتهم من الفيضان الكاسح وعبرت عن وقفتهم الصلبة تلك بالاغنية التي يقول احد مقاطعها..
عجبوني اولاد الاهالي عجبوني وسروا بالي طول الليل واقفين سواري ترسوا البحر بالطواريما شالونا باللواري عجبوني الليل جوا ترسوا البحر صددوا..و..لا صوت يعلو فوق صوت المعركة الماثلة اليوم ولابد ان نخوضها جميعاً..
الجريدة

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى