مقالات وآراء

حيدر المكاشفي يكتب : ماذا تأكل الوجبة التالية

(ماذا تأكل الوجبة التالية)، هذا ليس سؤال طباخ أسرة مرفهة ومنعمة يستفسر أحد أفرادها عن ما يرغب تناوله في الوجبة التالية (الغداء مثلا)، وانما يخص هذا السؤال من لا يجدون قوت يومهم، واذا وجدوا بقدرة قادر ما يسكت قرقرة بطونهم في الفطور بالحصول على وجبة فقيرة وبائسة تتكون مثلا من قطعة خبز حاف يزدردونها برشفات من كباية شاي أحمر، فانهم لا يدرون ماذا سيأكلون في الوجبة القادمة، وهؤلاء يمثلون ثلث سكان السودان مع احتمال زيادة العدد الى 18 مليون شخص- أي 40 في المائة من سكان البلاد في سبتمبر القادم، بحسب التقييم الشامل للأمن الغذائي والضعف الذي أصدره برنامج الأغذية العالمي في شهر يونيو المنصرم، وليس تقرير برنامج الاغذية العالمي هو فقط من أقر بهذه الاوضاع الكالحة والصادمة، فتقارير المعاناة اليومية التي تكابدها غالبية الشعب السوداني تؤكد عمليا ان القادم أسوأ من السؤ الذي يعايشونه، وعلى خلفية هذه الاوضاع القاتمة، لم يكتف برنامج الاغذية العالمي بنشر التقارير واطلاق التحذيرات، وانما عكف على اعداد مشروع يهدف إلى إنقاذ حياة الأشخاص الذين يواجهون الجوع الحاد مع معالجة الأسباب الجذرية لانعدام الأمن الغذائي، واستقطب لهذا المشروع عدد من الدعومات والمساهمات من البنك الدولي والاتحاد الاوربي والمملكة العربية السعودية ودول غربية أخرى..
الشاهد في عبارة (لا يعرف الكثير من الناس في السودان من أين ستأتي وجبتهم التالية)، التي اطلقها إيدي رو، ممثل برنامج الأغذية العالمي والمدير القطري في السودان في معرض تقريظه للتمويلات التي وصلتهم للمساعدة في التخفيف من أزمة الجوع التي تلوح في الأفق في السودان، واستلهمنا من العبارة العنوان اعلاه، ان دائرة الفقر الآخذة في الاتساع
والتمدد يوما بعد يوم، ليست وليدة اليوم بل بدأت نذرها تطل منذ عقود وكان للنظام البائد بسياساته الخرقاء والحمقاء نصيب الاسد في تدهور كل احوال البلاد العامة، ففي ذلك العهد الكالح حين التهبت الأسعار وتوحشت الاسواق، لم يكن للفقراء الكثيرون ومحدودي الدخل العديدون من حيلة لمواجهة هذا الوحش غير أن يبتدعوا بعض الحلول الإبداعية الشعبية في مجال الطعام الذي ابدعوا فيه عدد من الأكلات والأطعمة فقيرة المحتوى مثل أم بلقسات المكونة من كدارين الدجاج وأطرافه وأحشائه، وساندوتش الموز و المنقة بالشطة وغيرها من أطعمة فقيرة لإسكات قرقرة بطونهم ، ولكن هذه الظروف تأبى أن تتحسن حتى بعد الثورة وبوجه اخص بعد الانقلاب، حيث ظلت فى تدهور مستمر وقفزت أسعار السلع والمواد الغذائية والخدمات الطبية والتعليمية الى مستوى لامعقول وغير مطاق، وسجلت البلاد درجة متقدمة في الغلاء حتى اضحت من الدول الأغلى في العالم، ولم تنحصر المشكلة فقط في هذا الغلاء المتفاحش، وإنما المشكلة أيضا في هذا البرود الذي تقابل به السلطات الانقلابية هذه الأوضاع الساخنة التي يكتوي بنارها المستهلكون وخاصة محدودي الدخل والفقراء منهم، حيث لم يبدر من أي مستوى من السلطة حتى الآن أي تدبير عملي ذي فعالية وحضور للتعامل مع هذا الانفلات الذي اجتاح الأسواق، وانما للحسرة تسمع منهم كل يوم ما يزيد الطين بلة، ولهذا لم يكن مستغربا ولا مستبعدا ان يبلغ التدهور والانحدار هذا المستوى الذي اقلق برنامج الاغذية العالمي..

الجريدة

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى