مقالات وآراء

د. الشفيع خضر سعيد يكتب : كارثة متوقع حدوثها في السودان

بعد مظاهرات السبت الماضي في الخرطوم، وما صاحبها من دعم مسلح، ولو جزئيا، يمكننا القول بأن الاستقطاب السياسي والاجتماعي في السودان وصل حدا حرجا وخطيرا سيدفع البلاد، وقريبا جدا، لأن تنفجر أو تتفجر إذا لم يتم معالجة الأمر سريعا. فإذا استمر حوار الطرشان السائد اليوم في البلاد وأحكم قبضته على العلاقات السياسية بين المكونات المدنية والعسكرية التي عُهد لها قيادة الفترة الإنتقالية، وإذا توطد خطاب الإقصاء والتخوين بين القوى السياسية، وظلت هذه القوى تختلف في كل شيء، مما خلق إنطباعا عند المواطن العادي بأن معيار هذه الخلافات هو المصلحة الحزبية وليس مصلحة الوطن ولا لصالح تنفيذ مهام الفترة الإنتقالية، وفي ظل حقيقة إنتشار السلاح خارج القوات النظامية، وأن البلاد، وتحديدا العاصمة، أصبحت ثكنة لعدة جيوش وميليشيات تأتمر بأوامر قياداتها السياسية المتصارعة، وتعتدي على مهام الشرطة دون رادع ودون موقف رافض مسؤول ومعلن من قيادات القوى النظامية، فإن الخطر الداهم لن يطال الفترة الإنتقالية وحسب، وإنما الوطن بأكمله، وعاجلا ستدخل البلاد مرحلة اللادولة، وستعشش فيها سيناريوهات الدمار التي نشهدها في كل من سوريا واليمن وليبيا. ولن يحتاج أي متابع إلى كثير عناء، ولكن ربما يحتاج إلى بعض الشجاعة، ليقول إن هناك قوى، داخل السودان وخارجه، يعمل بعضها بوعي وتخطيط وبعضها بغير ذلك، على تهيئة الأجواء والظروف الملائمة لتحقق تلك السيناريوهات المدمرة.
أما ما هي مصلحة هذه القوى وماذا ستستفيد، فأعتقد أن الإجابة بديهية في جزئها الأكبر، وربما نحتاج بعض التقصي والتدقيق في الجزء المتبقي. لكن، وغض النظر عن هذا الجزء البديهي أو ذاك المتبقي، وغض النظر عن من هي القوى الداعمة، داخليا وخارجيا، ومن هي القوى المدعومة، فإن النتيجة واحدة: لن يكون هناك أي منتصر أو رابح، فالخسارة ستعم الجميع، ومن يظن أنه سيحسم الطرف الآخر بالضربة القاضية، معتمدا على ما يلقاه من دعم، فهو واهم ويعيش الغفلة. أما الخاسر الأكبر فهو الوطن والشعب السوداني. ونكرر ما ظللنا نردده كثيرا، إن وضع البلاد المأزوم، يصرخ فينا بخيارين لا ثالث لهما:
إما البدء الآن وليس غدا، بهمة وجدية لإنهاء حالة الاستقطاب والشروع فورا في استكمال مهام الإنتقال لإنتشال الوطن، أو الطوفان. أصحاب الخيار الأول، يجب عليهم أن يتحركوا في كل الاتجاهات ويبحثوا عن بعضهم البعض ليتجمعوا ويتناسوا، أو يؤجلوا، خلافاتهم وتناقضاتهم السياسية والفكرية، وليتوافقوا على كيفية إنجاح الفترة الإنتقالية وإنقاذ الوطن. وكما رددنا كثيرا، نحن لا تزعجنا الخلافات والصراعات السياسية، فهي أمر طبيعي ومتوقع، وفي الغالب تأتي بنتائج صحية إذا ما أحسن إدارتها، ولكن المزعج حد الغضب، النزول بهذه الصراعات حضيض الإبتذال والذي من أوضح علاماته تغليب الخلاف والصراع حول كرسي السلطة، على تفاصيل حياة المواطن من لقمة العيش والصحة والأمن والأمان.
وغض النظر عن نوايا كل طرف من الأطراف، وإن كان ما يعلنه من نقاط إختلاف مع الطرف الآخر هو فعلا وحقيقيةً يتطابق مع نواياه ومراميه أم لا، فإن قضايا النزاع البادية على السطح يمكن التوافق حولها. المسألة الوحيدة التي لا يمكن قبولها، بل ولا يمكن مناقشتها أصلا أو حتى مجرد الجلوس مع من يثيرها أو يطرحها، مباشرة أو مواربة، هي محاولة تصوير الأمر وكأن ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 كانت غلطة، أو قام بها مجرد نشطاء يافعين في السياسة ولا يفقهون دروباتها.

أصبحت البلاد ثكنة لعدة جيوش وميليشيات تأتمر بأوامر قياداتها السياسية المتصارعة، وتعتدي على مهام الشرطة دون رادع ودون موقف رافض مسؤول ومعلن من قيادات القوى النظامية

من ناحيتي، أتفق تماما مع خطاب الأخ رئيس الوزراء للشعب السوداني مساء الجمعة الماضي، والذي تناول فيه الملامح العامة لخارطة الطريق للخروج من الأزمة، وأرى أن علينا جميعا واجب إثراء الخارطة بالتفاصيل الممكنة. أدناه، مساهمة أولى في هذا الإتجاه للمناقشة والتنقيح أو التعديل:
أقترح إعادة تكوين مجلس السيادة ليتكون وفق ما أقرته الوثيقة الدستورية من 11 عضوا، وإن كنت أتمنى لو إقتصر العدد على خمسة أو ستة. وأقترح مراجعة أداء كل أعضاء المجلس، بحيث يذهب صاحب العطاء المتدني، دون مجاملة أو إعتبارات لا علاقة لها بمصلحة الوطن.
التقيد بما نصت عليه الوثيقة الدستورية وتكوين مجلس الوزراء من كفاءات مهنية بعيدا عن المحاصصة الحزبية أو الجهوية. يمكن للجميع التقدم بالترشيحات، لكن في النهاية يُترك أمر حسم الإختيار للأخ رئيس الوزراء.
تفعيل قانون «مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية لسنة 2020» المجاز بتاريخ 22 أبريل/نيسان 2020، لأداء دوره في إصلاح المنظومة العدلية والحقوقية وتفكيك بنية التمكين فيها، بعيدا عن تدخلات لجنة التمكين وأي من السلطتين السيادية والتنفيذية.
مراجعة ما تم من تعيينات في مرافق الخدمة المدنية المختلفة، وضيط ذلك عبر لجنة الإختيار ومفوضية إصلاح الخدمة المدنية.
مخاطبة الإتهامات الموجهة ضد لجنة إزالة التمكين والتحقيق فيها ومراجعة أداء اللجنة من حيث تركيبتها ومناهج عملها وإقتراح التعديلات الضروروية في قانونها، مع إعادة تشكيل وتفعيل لجنة الإستئنافات، إعلاء للعدالة وسيادة القانون.
لكن أن نطالب بحل اللجنة أو بإلغاء قراراتها بغير قضاء الإستئناف، فهذا يصب في خانة التلاعب بشعارات الثورة ومحاولات الإنقضاض عليها. فلجنة إزالة التمكين هي إحدى آليات ثورة ديسمبر/كانون الأول لتصفية النظام البائد، وهي كونت بالإستناد إلى الوثيقة الدستورية، ووفق قانون مجاز من إجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء.
تكوين المفوضيات القومية المستقلة فورا، مع إعطاء أولوية لمفوضيتي صناعة الدستور والمؤتمر الدستوري والانتخابات. المفوضيات القومية، إضافة إلى تحقيقها لمهامها المعروفة، فإنها أيضا ستحقق توسيع المشاركة في أجهزة الانتقال وأجهزة إدارة الدولة.
ندعو قوى الحرية والتحرير بشقيها، لعقد مؤتمر عاجل يعمل على توحيد هذه القوى والتوافق على الهياكل الملائمة لقيادة العمل، كما يبحث في كيفية ضم القوى الأخرى المؤمنة بالثورة، والتوافق على تكوين المجلس التشريعي الإنتقالي.

القدس العربي

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى