مقالات وآراء

زهير السراج يكتب مسرحية تسليم المخلوع !

* لا تخدعكم الابتسامات التي قابل بها (حميدتى) والدكتور (حمدوك) المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية (فاتو بنسودا) خلال زيارتها الحالية للخرطوم لمناقشة تسليم المخلوع وبقية المتهمين بارتكاب جرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية في دارفور الى المحكمة لتتم محاكمتهم في (لاهاى) مع رفيقهم (على كوشيب) الذى سلم نفسه قبل بضعة أشهر .. فلن يُسلّم العسكر المخلوع الى المحكمة خوفا من تبعات المستقبل، خاصة مع تصريحات السيدة (بنسودا) بأنه لن يفلت أحد من العقاب!
* ولن يكون في استطاعة الدكتور (حمدوك) الوقوف ضد رغبة العسكر، كما حدث في قضايا أخرى كثيرة من قبل، خاصة بعد حديثه المبهم خلال اللقاء مع بنسودا عن “التزام الحكومة بتحقيق العدالة كأحد شعارات ثورة ديسمبر المجيدة” بدون ان يشر من قريب أو بعيد الى تسليم المخلوع، بالإضافة الى تصريحاته السابقة بإمكانية محاكمته في الخرطوم بالتعاون مع المحكمة، وهو ما يعكس عدم رغبته او عدم قدرته في تسليم المخلوع بدون موافقة العسكر .. والحجة جاهزة بالطبع، وهى كما ذكرتُ من قبل ــ خضوع المخلوع للسجن والمحاكمة والتحقيق في جرائم أخرى داخل السودان، وعلى رأسها جريمة تقويض الدستور والانقلاب على النظام الشرعي في يونيو 1989 باستخدام القوة العسكرية!
* لقد ظلت التصريحات تتوالى من العسكر بعد سقوط النظام البائد مباشرة عن عدم تسليم المخلوع الى المحكمة، فعندما عينت اللجنة الأمنية نفسها حاكمة على البلاد في 11 ابريل كان أول تصريح لها بعد البيان الأول الهزيل، بأنها لن تسلم المخلوع للمحكمة الجنائية وستحاسبه في السودان، ثم تولى المجلس العسكري قيادة البلاد واطلق نفس التصريحات التي ظلت تتوالى حتى وقت قريب ومن بينها التصريح الخطير للبرهان أمام حشد من قادة الشرطة وجهاز المخابرات قبل بضعة أشهر بأن أحد أسباب تحفظهم على قرار مجلس الأمن بإنشاء بعثة دولية في السودان للمساعدة في تنفيذ مهام الفترة الانتقالية، هو ألا يكون لها صلة بالمحكمة الجنائية، وهو ما يدل على عدم وجود أي رغبة لرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة والمكون العسكري بتسليم المخلوع وبقية المتهمين للمحكمة الجنائية الدولية!
* وما يؤكد هذه الرغبة ان (اتفاق جوبا) العبثى الذى نص على تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية لم يحدد سقفا زمنيا للتسليم، وهو البند الوحيد في الاتفاق الذى تُرك بدون سقف زمنى بغرض إعطاء الفرصة للمماطلة والمراوغة في تسليم المخلوع!
* كما نص الاتفاق على تشكيل محكمة خاصة لجرائم دارفور خلال 90 يوما (لاحظ السقف الزمنى هنا)، بالإضافة الى تكوين مفوضية العدالة الانتقالية خلال 30 يوما من توقيع الاتفاق (الثالث من أكتوبر الجاري)، ولجنة للحقيقة والمصالحة تبدأ عملها خلال شهرين وتستمر لمدة عشر سنوات، وهى بنود القصد منها عدم تسليم المتهمين الى المحكمة والمماطلة في تحقيق العدالة لضحايا دارفور خضوعا لرغبة العسكر ورئيس وفد المفاوضات الحكومي لمفاوضات جوبا وقائد قوات الدعم السريع!
* أضف الى ذلك، ان النائب العام لم يكوّن حتى هذه اللحظة لجنة تحقيق فى جرائم دارفور، رغم أن تحقيق العدالة لضحايا دارفور هو أهم الشروط على الاطلاق لتحقيق السلام الحقيقي (وليس المزيف) في البلاد، كما انه لم يتحرك أو يتحدث عن جرائم دارفور أو المحكمة الجنائية الدولية إلا بعد أن سلم المتهم (على كوشيب) نفسه لسلطات المحكمة في دولة أفريقيا الوسطى (في يونيو الماضى)، ونسب الى نفسه هذا (الإنجاز) بالحديث عن التضييق على المتهم الذى خاف من القبض عليه بواسطة السلطات السودانية لمواجهة التهم الموجهة إليه بارتكاب جرائم في دارفور، فقام بتسليم نفسه الى المحكمة الجنائية، وهو مجرد حديث مجالس القصد منه تبرئة النفس من التقصير والاهمال وارتهان العدالة لرغبة العسكر !
* لن تجرؤ الحكومة على تسليم المخلوع خوفا من العسكر، ولن يجرؤ العسكر على تسليمه خوفا من تبعات التسليم، وبعد الغد ستعود بنسودا الى هولندا وتستمر وتيرة التصريحات والمسرحيات الهزلية في البلاد لتبرير عدم تسليم المخلوع وبقية المتهمين الى المحكمة، وتظل العدالة ضائعة ومصالح السودان رهينة للخوف ورغبات العسكر !
الجريدة

تعليق واحد

  1. يا أستاذ زهير السراج ما يحيرني أن أغلب الكتاب والسياسيين والمسؤولين عن العدالة لا يتطرقون للأطراف الأخرى والتي بدأت الحرب في دارفور بأعتبارها أيضاً إرتكبت جرائم حرب ضد المواطن، وهم قادة المليشيات والتي في الأساس لا تخضع لنظام ولا قانون فهي أشبه بقطاع الطرق، لماذا الكل يتغاضى عن هذا الطرف، أم لأنكم تلتقون معهم في الفكر الإشتراكي أو اليسار كما يسمون فإن أغلبهم ينتمون إلى الفكر اليساري مثل عبد الواحد ومناوي وغيرهم، ما عدى خليل المحسوب على الإسلاميين، يجب أن نكون منصفين وعادلين وأن لا ننقاد وراء العصبية الحزبية فإن ضحايا دارفور هم خليط من المواطنين منهم من هو في اليمين ومنهم اليسار ومنهم الوسط، والجميع يجب أن يتمتع بحقوقه كاملة في السلام والتنمية والحياة الكريمة، الكيل بمكيالين بسبب الميول السياسية عادة غير حميدة ويمارسها السياسيون السودانيون عبر السنين فعندما يتحدثون عن العدالة فهم دائماً يقصدون العدالة لأنفسهم فقط أما خصومهم السياسيين فليذهبون إلى الجحيم، وهذا هو السبب الرئيسي في الممارسات التي عشناها عبر السنين منهم فإذا حكم اليسار ظلم اليمين والوسط، وإذا حكم اليمين ظلم اليسار والوسط، وإذا حكم الوسط أقصى اليمين واليسار، وهذا ديدن حكامنا منذ الإستقلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock