مقالات وآراء

زهير السراج يكتب النيابة العامة !

* وجد إعفاء عدد من وكلاء النيابة الذين أساؤوا لمهنة النيابة وكل قيم العدالة والاخلاق والضمير خلال العهد البائد ترحيب الجميع، وليس فقط الذين عانوا من ظلمهم وحقدهم ومعاملتهم الوحشية وممارساتهم غير الاخلاقية التي تشبههم، ولا غرابة في ذلك فلقد جيء بهم من مقالب القمامة ليتقلدوا مناصبا لم يحلموا بها في حياتهم، ولم يكن غريبا أن يهشموا كل القيم والاخلاق لإرضاء سادتهم ونفوسهم المريضة. شكرا للجنة تفكيك النظام البائد التي صارت الملاذ الوحيد للشعب لكى يتذوق طعم انتصاره على الطغمة البائدة!

* كما اسعد الجميع بدء محاكمة المتهم بقتل الشهيد (حنفي عبد الشكور حنفي) الذى استشهد في نهار يوم الثالث من يوليو 2019 بدهس متعمد من سائق عربة تتبع لقوات الدعم السريع في مدينة الدوحة بأم درمان، والتي بذلت فيها نيابة ام درمان جنوب مجهودا خرافيا لجر المتهم الى المحكمة ووقوفه أمام العدالة، بعد شهور طويلة من رفض قوات الدعم السريع للتعاون معها بتسليم المتهم للتحقيق معه وتسليم العربة اداة الجريمة، إلا أن النيابة وصلت لمبتغاها بمثابرتها وإصرارها على تحقيق العدالة، وكشفت عن الوجه الآخر للنيابة التي تتمسك بالقانون وتتحلى بالأخلاق الحميدة، وتعكس الوجه المشرق للمجتمع السوداني، وتسعى لتحقيق العدالة مهما كلفها ذلك من مشقة وعناء وتعب، فلها كل الشكر والاحترام والتبجيل!

* وعلى ذكر النيابة، فلا بد من القول ان النيابة العامة بوصفها السلطة المستقلة التي تتولى مهمة الإشراف الكامل علي الدعوي الجنائية وهي صاحبة الحق الأصيل فيها وكل ما يستلزمه، وهى أيضا ( الخصم الشريف) كما يُطلق عليها، ظلت حتى اليوم رغم سقوط النظام البائد واستشرافنا لعهد جديد وتقلد أحد القانونيين المميزين للمنصب، بلا دور في الدولة، تتعرض لظلم واضح واهمال صريح من الجميع، منذ كتابة الوثيقة الدستورية وحتى اليوم!

* بل ان اول من مارس هذا الظلم على النيابة هو سيادة النائب العام نفسه، الذى لم يلتفت لحل المشاكل التي ظلت النيابة تعانى منها منذ إنشائها وحتى اليوم، ابتداءً من الكادر البشري، وانتهاءً بتوفير الظروف الملائمة لممارسة المهنة كما يجب!

* لم يفتح الله علي النائب العام بزيارة أي مقر من مقرات النيابة بالعاصمة التي لا تليق بالنيابة والدور الخطير الذى تؤديه، فالبيئة متهالكة ولا توجد أدنى مقومات العمل، بل لا يوجد في بعض النيابات عامل للسيرك لمراعاة سرية المخاطبات، ولا يوجد موظفون محترفون لتدوين وحفظ البيانات المهمة مثل (حظر السفر وحجز الأموال ..إلخ) التي تتضح اهميتها وخطورتها بمعرفة ان محضر التحري الذى يُستهل بعبارة (استمارة شرطة رقم ٦) هو ملك للشرطة، وعندما يحال للمحكمة تنقطع أي صلة للنيابة به، وفى كثير من الاحيان لا تعرف النيابة مصير الدعوي الجنائية التي اشرفت عليها، ومما يثير الغرابة والاستغراب ما يُسمي بتفتيش اعمال النيابة ووكلاء النيابة وهى لا تملك بيانات خاصة بها!

* ورغم افتقار النيابة لكل المقومات، فإنها تقدم خدماتها مجانا بدون حتى رسم رمزي (كما للسلطة القضائية مثلا)، مما انعكس في تردي الخدمات واعتمادها في كل اجراءاتها والمراحل المختلفة في الدعوي الجنائية علي الشاكي كممول ومرسال (مراسلة) وهو ما يمكن ان يقدح في عدالتها، كما أنها تفتقد للعمل الإلكتروني بشكل كامل وليس لها اي ربط شبكي بأي جهة (السجل المدني، المرور، الخارجية، بنك السودان، تسجيلات الاراضي، شركات الاتصالات…… الخ) رغم الحاجة الضرورية لهذا الربط، ويُحمد للدكتور (عوض الحسن النور) انه تبنى خلال فترة توليه وزارة العدل فكرة حوسبة اعمال النيابات وربطها بشبكة موحدة منذ لحظة تصريح العريضة وحتي احالة الدعوي الجنائية للمحكمة، ولكن حوربت الفكرة خلال العهد البائد وتم وأدها قبل تطبيقها!

* وليس للنيابة شرطة خاصة بها مما يجعلها تستجدى الشرطة في كل الاعمال التي تقوم بها وتُواجه في كثير من الأحيان التعنت في بعض المسائل مثل الإفراج بالضمانة وتسليم المضبوطات ..إلخ، وهو أمر لا يليق بالعدالة والذين يطبقونها، وكان الاجدر بالنائب العام في العهد الجديد ان يبدأ فترته بالعمل علي إيجاد آلية لتنفيذ قرارات النيابة (شرطة النيابة) بدلا عن استجداء جهات أخرى !

* هل يصدق احد أن النيابات تعمل حسب اجتهاد وكلاء النيابة، وليس هنالك نظام او منهج عمل مؤسسي يحكم الجميع ويلتزم به الجميع، والمثال الأبرز على ذلك هو الإفراج بالضمان المالي الذى يتم في المحكمة باجتهاد من وكلاء النيابة، دون نص صريح في ذلك، وما يستتبعه من مشقة ذوي المقبوض وتعنت بعض قضاة المحاكم!

* لا يمكن وجود نيابة عادلة كفؤة تضطلع بالدور المطلوب منها وبسط سيادة حكم القانون، بدون ان يكون هنالك منهج عمل وقوانين تعطيها حرية الحركة وسرعة التصرف، وتضع سلطات التحري في يدها (التفتيش، تجديد الحبس، تحليف الشهود اليمين)، وبدون كادر بشرى مؤهل وتحسين شروط خدمتهم اسوة بغيرهم، وقد لا يصدق البعض أن مرتب وكيل النيابة لا يزال 7000 ج، ومرتب الموظف 4000 ومرتب العامل 1800، هل يعقل ذلك؟

* ولا بد من تحسين وتطوير البنية التحتية وتوفير جميع لوازم العمل، وربط النيابات شبكيا بالجهات الحكومية، وإنشاء شرطة خاصة بها، وتخصيص خزينة بكل نيابة لاستلام اموال الضمانات، بالإضافة الى تخصيص رسوم رمزية للنيابة تساعدها على تسيير العمل كغيرها من الجهات الأخرى كالقضائية، بدلا من استجداء الشاكين والمواطنين، كما يحدث الآن وينتهك من كرامة النيابة وعدالتها ومهنيتها!

* الثورة لا تعنى تغيير شاغلي المناصب بغيرهم مع استمرار نفس النهج الخاطئ والأوضاع البالية، ولكنها تعنى التغيير الشامل الى الاحسن، لذلك أطلق عليها كلمة ثورة !
الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock