مقالات وآراء

النور حمد يكتب : ما وراء الوحشية في فض الاعتصام

في ساحة الاعتصام خرج السودان الأصيل، ذو العمق التاريخي الذي يعود لسبعة آلاف عام، من الرماد كطائر الفينيق. لقد ظنوا أنهم عبر ثلاثين عامًا من الاستبداد والغطرسة والأكاذيب، أنهم محوه، وأحلوا محلَّه، وإلى الأبد، هذا المسخ المستورد النقيض لكل قيمة أتى بها الدين. استجمع السودانيون في ساحة الاعتصام فضائلهم التاريخية من كرم وشهامة ونخوة وأمانة وتعاون وأخوة صادقة لا تفرق بين غني وفقير، أو بين وجيهٍ وخاملِ ذكر. قدم السودانيون في ساحة الاعتصام أكبر عرض عرفه التاريخالتاريخ لفضائل هذه الأمة نادرة الشبيه. في هذا المعرض الرباني السماوي، الذي جرى في الهواء الطلق، تقزَّم التدين الكاذب المستورد، الذي عاش نفاقًا على “هي لله”، وبرز التدين الصوفي السوداني الأصيل. أقيمت في ساحة الاعتصام صلواتٌ جماعية حاشدة، لم يحدث لها شبيه، ولا في الثورة المهدية. وكان الأكثر إيلامًا لهم، إن أبناءهم وبناتهم نفضوا منهم أيديهم، وانضموا بفطرتهم السليمة التي لم تنمسخ، إلى المسيرة القاصدة نحو الحق والعدل والخير والجمال.
بسبب كل ما تقدم، كانت هذه الوحشية التي لم يشهد لها تاريخ السودان مثيلا. لقد أصابتهم تجربة الاعتصام في مقتل. فقد فضحت زيفهم، وزلزلت عرشهم، الذي شيدوه على دعاماتٍ واهية، من الأكاذيب والتضليل. شعروا بأن قيامتهم قد قامت وأن يد القدرة قد أمسكت بتلابيبهم. وبدلاًمن أن ينكِّسوا رؤوسهم، ويمضوا في صمتٍ إلى غياهب النسيان، كأسوأ خَبَثٍ، طفح على وجه الحياة السودانية، بيَّتوا النية لممارسة أقسى صنوف الوحشية والفظاعة ضد هذا المارد، الذي طالما استخفوا به، ففاجأهم بما لم يحسبوه. أعلنوا أن الاعتصام لن يجري فضه. ثم ما لبثوا أن غدروا بالمعتصمين بليل. قتلوا الصائمين والصائمات الغافلين النيام، بدمٍ بارد، في شهر الله الحرام. قيدوهم وربطوا أرجلهم بكتل الأسمنت وأغرقوهم في النيل. اغتصبوا النساء على أرضية المسجد، ولم يلقوا بالاً لصرخاتهن وتوسلاتهن، وهن العفيفات الحريصات على شرفهن. استباحوا المدينة لنهارين، فأوسعوا سكانها ضربًا وإهانة، فلم يسلم منها حتى كبار السن، في فقدانٍ للمروءة، أكد تربيتهم المنحرفة.ثم ما لبثوا أن عرَّجوا على آثار الاعتصام من جداريات رسمها الشباب والشابات فمحوها. ظنوا أنهم بكل ذلك، قد كسروا عزيمة الشعب، ومحوا ثورته من سجل التاريخ. فعلقوا التفاوض مع تجمع المهنيين. لكن، بعد سبعة وعشرين يومًا فقط، خرج لهم طائر الفينيق من الرماد، من جديد، فجعل عاليها سافلها، فعادوا إلى التفاوض صاغرين.
في أعوامهم الثلاثين احتقروا الأدب، وحاربوا الفن الرفيع، وأغلقوا دور السينما، وكتموا أنفاس المجال العام. بل حاربوا حتى منظمات الشباب الطوعية التي لا تعمل تحت إمرتهم. أغرقوا البلاد في التدين المظهري الكاذب، الذي يُستخدم لأغراض الدنيا. وزحموا الإعلام بالتفاهات من غناء هابط، ومغنين ومغنيات تابعين لجهاز الأمن، وصحافة “تابلويد”، مشغولةٍ بالإشاعات وتافه الأخبار، وأقلام مأجورة لا تنفك تسبح بحمد مولاها. خلقوا طبقية لم يعرفها السودانيون. تباهوا في أعراسهم بعرض كتل الذهب على أجساد العرائس، وبعرض شيلات العرسان المستوردة، وبالولائم الباذخة في الصلات الفخمة. لقد كانت المعاني التي جسدها الاعتصام نقيضًا لكل هذه الوثنية المقرفة، التي التحفت قداسة الدين. لقد هُزموا أخلاقيًا أسوأ ما تكون الهزيمة. لذلك كانت هذه الوحشية الفظيعة. لكن، للحرية دائمًا ثمنٌ يُدفع.

التيار

‫3 تعليقات

  1. كتاب يكتبون ولا علاقة لهم بما يكتبون…..هم في واد والحقائق في واد….

    ملخص الامر ان الاعتصام كان مجرد تمومة جرتق لا خراج المشهد السياسي بأنه ثورة ومن ثم يتصدر المشهد اذلام الكيزان ومن شايعهم بدء من قوش واللجنة الامنية ولكن يبدو ان اللقمة كانت أكير من ابتلاعها فأول من اختنق بها كان من قام بها بدء من قوش وابن عوف وكمال عبد المعروف الخ هؤلاء الخونة.

    انبني الانقلاب اساسا علي المظالم والسحق تحت أحذية الكيزان والتي عانت منها بلادنا مما جعلها من افقر وافشل دول العالم بالتخريب المنظم والممنهج للبلاد ولشخصية السوداني علي مدار الثلاثين عاما حتي اصبح القاتل بطلا واللص شريفا والزانية عفيفة والحثالة نجم نجوم المجتمع ورجل الدين يتلاعب بالدين لكي يسرقك ويخدعك ولا يهمه الدين العظيم.

    عملية الفض كانت هي الانقلاب الثالث في السلسلة والتي بدات بانقلاب قوش علي البشير وتلاه مباشرة الانقلاب الثاني من حميدتي عليه وعملية الفض كانت عبارة عن الانقلاب الثالث علي الشعب ..والوحشية فيه كانت لسببين الاول هو التخويف وسحق اي صوت يخالف المنظومة الجديدة التي تحاول احكام القبضة علي البلاد مع ترضية الاسياد بدول التغيير والسبب الثاني كان لهوان المعتصمين ومن يقف خلفهم من الأحزاب علي من قامو بالفض فتم القتل والسحل والاغتصاب (ذكور واناث) والتمثيل والرمي بالنيل في مشهد يندي له الجبين وفي صبيحة ليلة 29 رمضان الكريم.

    وبالتالي لكي نفهم الامر جيدا أن الاعتصام لو كان حقيقة له وزن وكان هو من خلع البشير لما تم التعامل معه بمثل هذه الوحشية ، ولكن جاءت مظاهرة الثلاثين من يونيو من قبل الشعب لتعيد الامر الي نصابه حيث أيقن العسكر ومن يديرون الامر ليس بمثل هذه السهولة وان اللقمة لا يمكن ابتلاعها من مرة واحدة والا ستؤدي بالموت لمن يبتلعها ، وأن الامر يحتاج الي التروي وتجزئة اللقمة الي اجزاء يسهل ابتلاعها علي مراحل وذلك بمحاولة شق الصفوف وتحييد من يمكن شراءه أواغرائه او تخويفه ،حيث تم علي سبيل المثال اسناد رئاسة لجنة الفض الي شخصية مقبولة للمعتصمين في أمر معلوم ومعروف للقاصي والداني ولو سألت عنه اليوتيوب أو قوقل لاجابك دون مواراة وكان الاسناد لنبيل أديب فشرق بما اوكل اليه بل وصار يتتأتأ في الكلام بعد ان كان يتكلم بطلاقة حول ما يريد مما جعله مغضوبا عليه ويحسب علي الجانب الاخر من الثورة.

    أخلص من كل ما ذكرت أن المسلسل لا زال مستمرا في شكل صراع علني وسري ومكتوم بين مكونات الحكم اليوم بالسودان ، بالاضافة الي عقد التحالفات مع أي قوي لها وزن أو يمكن ان يكون لها وزن ، مع بصبصة دول التغيير لأذيالها وتكشيرها لانيابها للوصول الي الغايات التي قامو من أجلها والهدف الاساسي هو تسهيل مهمة الابتلاع وأضرب أمثلة بذلك التحالفات السرية والعلنية مع الكيزان وسيولة التعامل معهم والمواقف الغامضة لحزب الامة وعدم تمليك وسائل الاعلام من صحف وغيرها كافة المعلومات بصورة رسمية فيما يتعلق بالفساد وبالبترول وبالاراضي وبالخدمة المدنية ، والازمات التي تحيط بالبلاد من كل جانب مع العلم بأن بلادنا ليست فقيرة الي هذا الحد وأن الموارد الموجودة من ذهب وثروة حيوانية ومنتجات زراعية كافية لتسيير البلاد الي ان تعبر البلاد الي بر الامان بأذن الله.

    حفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين من كل شر أو مكروه انه القادر علي ذلك ونعم المولي ونعم النصير.

    1. ايها المدعي بأنك حكيم ولكنك ساذج وضحل الفهم، تهاجم الكيزان حتي تدفع التهمه عنك كما هي الموجه السائده الان من كل الكيزان، انت كوز تمارس الغايه تبرر الوسيله مثلما زج الترابي بنفسه في السجن لمده 6 شهور وها انت الان تهاجم نفس الانقلاب..
      أما الاعتصامات وليس اعتصام القياده فقط هي ملحمه شعبيه لم تتكرر في شعب اخر بإستثناء تلاحم المهاجرين و الأنصار في مجتمع المدينه
      و الاعتصام لم يأت منحه من احد بل هو نصر تم انتزاعه انتزاعا بجموع وجحافل الشرفاء و الكنداكات وكان سيلا جارفا لم تصده كل المصدات وكانت ديسمبر المجيده سيل الوادي المنحدر اقتلع شجرتكم الملعونه من جزورها

  2. أحسنت في وصف أخلاق وشجاعة ووعي الشعب السوداني ، لذلك شهد العالم لثورتنا بالتفوق على معاصراتها من الثورات وكان الاعتصام دليلا على السلوك الثوري لهذا الشعب. أضيف أن التنظيم لهذه الثورة بدأ منذ العام 20112 وأكون شاكراً لو تناولت هذا الجانب بأسلوبك الجميل هذا ووصفت كيف بدأنا حتى مرحلة الاعتصام وتكوين الحكومة الحالية.
    لك التحية أستاذ النور حمد و إلى الأمام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock