مقالات وآراء

الإمام الصادق المهدي يكتب: أوهام عقائدية وممارسات عبادية وإنسانيات سودانية تحالفت مع كورونا

أحبابي أنصار الله وزملائي حزب الأمة القومي وإخواني واخواتي في الوطن قال تعالى: ( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) وقال نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام ( لا شيء من البر فوق الايمان بالله والبر بالناس) أما بعد: فيروس كورونا داء جديد وذو خصال فريدة: o ينتشر برشاش اللعاب وبالملامسة. o التقارب في اللقاء ينقله. o تنتقل العدوى ولا تظهر مباشرة بل بعد حين o يلتصق بالأسطح الجافة. o المصافحات تنقله. o قتلاه عشر مصابيه. o نشر المرض ذعراً وأوهاماً ووساوس ذات آثار نفسية سلبية وقديماً قال ابن سينا: الوهم نصف الداء.

كذلك فإن الحبس والملل زاد من تناول الكحول والمخدرات وضيق الخلق بين المحبوسين وبالتالي العنف المنزلي. o لا يوجد له حتى الآن لقاح مضاد ولا دواء. الاحتياط يتطلب مراعاة تجنب كل وسائل انتشاره هذه. هنالك ثلاثة عوامل تكون تحالفات لنقله ونشره. العامل الأول: الفهم الخاطئ لعقائد الدين: o مقولة القضاء والقدر ومقولة الحذر لا ينجي من القدر. سئل النبي محمد صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا ، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ . o لذلك صار واجباً على المسلمين التزام التوجيه النبوي (إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا) . هذا جوهر خطة الحجر الصحي الذي يقرره ذوو الاختصاص وهم في هذه الحالة أهل الذكر و أهل الاختصاص. o الحجر يفرض على الناس حتماً واجبات دينياً وأخلاقياً يجب مراعاتها. ولكن كذلك لهم حقوق إذا التزموا بالحجر توفير الدواء والماء والغذاء لهم وضبط الأمور أمنياً حتى لا يسمح لبعض الناس حرية الحركة إلا للضرورة. هذه التزامات على الحكومة وعلى المجتمع الوطني والدولي المشاركة في توفيرها .

توظيف امكانات وطنية خاصة ورسمية مطلوب ولكن العادات والتقاليد السودانية تجعل المهمة أصعب حتى لا يتحول السودان إلى مركز تمكين وانتشار لكورونا . نجاح الفترة الانتقالية في السودان واحتواء الداء ينبغي أن يعتبر مطلباً عالمياً لأن البديل هو عدم استقرار سياسي وصحي في السودان تنتشر آثاره في الاتجاهات الأربعة. أشقاء السودان وشركاء السودان الدوليون ومنظمة الصحة العالمية ينبغي أن يتعاملوا مع السودان كحالة خاصة توجب اهتماماً خاصاً. في العاصمة وفي الأقاليم لا سيما في المناطق العشوائية وفي معسكرات النازحين واللاجئين فإن الاجراءات الصحية الاستثنائية تؤثر بصورة مباشرة على أسلوب الحياة والمعيشة ما يتطلب اتخاذ اجراءات إدارية ومعيشية ترفع المشقة عن الناس. ثانياً: مواجهة هذه الجائحة تتطلب كذلك مراجعات أساسية في ممارسة الطاعات العبادية. العبادة في الأصل مواصلة بين الانسان وربه.

ولكن بعض العبادات تزيد فضلاً مع الجماعة. إن جائحة كورونا توجب تعليق طاعات العبادة الجماعية لحفظ النفس وهي من أهم مقاصد الشريعة. حفظ النفس واجب ديني وانساني وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. التراخي في توافر الحقوق والواجبات المتعلقة بالكورونا يجعل المتراخين حلفاء لهذا الداء وقتل النفس التي من قتلها بغير جريمة كأنما قتل الناس جميعاً.( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ). ثالثاً: العادات والتقاليد المجسدة في الانسانيات السودانية: تجدني من أكثر الناس إعجاباً بإنسانيات أهل السودان. إنها انسانيات تلازمنا حيثما كنا وعلى اختلاف ثقافتنا واثنياتنا. وعلى اختلاف مواقفنا داخل السودان وخارجه. انسانيات أحببتها وميزتها وكتبت عنها تحت عنوان انسانيات سودانية لمن يريد الرجوع اليها. انسانيات عرفها واعترف بها اشقاؤنا العرب وأشقاؤنا الأفارقة ومعارفنا من سائر البشر.

هذه الإنسانيات جعلت معاملاتنا مع بعضنا بعضاً في السراء والضراء تظهر حميمية نادرة تتعدى الفواصل الاثنية والطبقية بين فقير وغني. تعجب بعضهم في إحدى المستشفيات في بلاد عربية عندما احتاج مريض سوداني لنقل دم فقال للممرض ابحث عن أي زائر سوداني في المستشفى واطلب منه التبرع بدم فلن يتردد في بذله إذا ناسبت الفصيلة. وشاجر موظف سوداني زميله في دولة عربية أخرى عندما علم من زميل له بأن والده مات فتساءل عن مكان المأتم ليذهب للعزاء فقال له ان جنازة والده في شنطة عربيته ليأخذها للحانوتي. واستغرب وفد أجنبي زائر عندما جلس مع مضيفيه المسؤولين السودانيين للغداء وجلس معهم السائقون يأكلون.

كثير من الدبلوماسيين الوافدين للسودان قالوا لي عندما أبلغنا بالنقل للسودان حزنّا ولكن بعد التعرف على السودانيين عندما نبلغ بالنقل من السودان نحزن. الحميمية بين السودانيين مضرب أمثال أدهشت الدبلوماسيين العاملين في السودان والمسؤولين الزائرين. خاض السودانيون حروباً أهلية وتعرضوا لانقلابات ومع ما فيها من قسوة فإنها لم تنجح في القضاء على الحميمية الشخصية والاجتماعية بين السودانيين. صار واضحاً وجود درجة عالية من المشاحنة السياسية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع الوصال الاجتماعي. لذلك صرنا أكثر الناس مشاركة لبعضنا في التعازي لدى الوفيات وأكثر الناس عيادة لمرضانا بل يرابط بعض الأهل في المستشفيات مشاركة لمرضاهم. وصرنا الأكثر مشاركة في الأفراح.

صارت المشاركات في هذه الالتزامات واجبات أشبه ما تكون بشعائر الدين. ولإدائها يضحي كثيرون بالوقت وبالاحتياط الصحي، شاعت مزحة قيل أن أحدهم جاء من البادية لزيارة ابن أخيه في المدينة وهم أن يصافحه ويحضنه كالمعتاد ولكن ابن أخيه تمنع بسبب احتياط الكورونا. قال له عمه أنا جئت من بادية ليس فيها هذا الداء وإن كنت تحمله فلا أسمح لنفسي أن تموت وحدك! إن التكاليف الاجتماعية التي توجبها الإنسانيات السودانية كلفت المجتمع كثيراً من الوقت الضائع في كل جوانب الحياة ولكنها في المقابل حافظت على رتق النسيج الاجتماعي رغم تعرض البلاد لويلات الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية. لقد قضيت في سجون الطغاة ما جملته ثمانية أعوام ونصف تمكنت أثناءها من مطالعة ودراسة ثلاثة ألف كتاب ما كان بالإمكان قراءة عشرها لولا الحبس لأن التكاليف الاجتماعية الملزمة لا تسمح. رب ضارة نافعة كما يقول المثل. رغم كل التعليمات والارشادات فإن الحميمية الاجتماعية السودانية ما زالت تستعصي على المنع: ما زال الناس يستقبلون الزائر خاصة إذا جاء ضيفاً من الخارج. وما زالوا يتجمعون في المناسبات لا سيما المآتم والأفراح. الإنسانيات الاجتماعية السودانية وهي محمدة صارت مذمة حليفة لداء الكورونا.

ينبغي توظيف القيادة والإرشاد الديني والإعلام والفن وكافة وسائل التواصل لا سيما الرقمي لتجريم الانسانيات السودانية باعتبارها حليفاً لنقل ونشر داء الكورونا. لقد تحولت ممارسات نافعة إلى مضرة بالغة تناقض التوجيه النبوي: لا ضرر ولا ضرار. وتناقض مقولة العز بن عبد السلام: كل شيء يحقق عكس مقاصده باطل ، يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن الحميمية الاجتماعية السودانية أقوى من أية تدابير صحية أو أمنية في نشر هذا الوباء. ولكن هنالك منا من يعيشون في مساكن مكتظة. وفي مساكن عشوائية. وفي معسكرات نزوح ولجوء. ظروف يجد فيها الداء مرتعاً وهي على أية حال تتطلب العمل في كل الظروف لإزالتها لأنها تتناقض مع بسط حقوق الانسان ومع السلام الاجتماعي. وإلى حين القضاء عليها فهي تفرض إجراءات احتياطية لاحتواء انتشار الكورونا. أما في الحياة العادية في المدن والأرياف فلا بد من تسليط كل الوسائل لتجميد كل ممارسات إنسانياتنا الاجتماعية بكل حزم حتى لا تصير إنسانياتنا الاجتماعية وسائل للتفريط في حياتنا. وفقنا الله للحمية من طباعنا الجميلة حتى نهزم الداء المستجد وبالله التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock