مقالات وآراء

سلمى التجاني تكتب الفصائل المسلحة : المصالحة بعصا العقوبات

(1)
أكثر المتحمسين لتسويةٍ سياسة الآن، هو النظام نفسه. فقد ظل يعمل، عبر جهوده الدبلوماسية في منظومات الأُمم المتحدة، وعلاقاته مع الدول ذات التأثير في قرارات هذه المنظمات، وبعض دول الجوار ذات الصلة بأطراف الصراع؛ حتى يصل لمرحلةٍ يجد نفسه في وضعٍ مثاليّ، فلا تخرج التسويات عن تصوّره لـ”كيف يكون السلام”.
على صعيد المجموعات المسلحة، بدأت جهوده تؤتي أُكلها منذ العام الماضي؛ ففي ديسمبر من العام 2017م قدَّمت لجنة خبراء الأمم المتحدة للسودان، التي تم تكوينها بموجب القرار 1591 الصادر من مجلس الأمن في العام 2005م، قدَّمت تقريرها للفترة من (13 مارس – 17 نوفمبر)، حيث قالت فيه، إن المجموعات المسلحة الرئيسة بدارفور لا زالت نشطة في ليبيا وجنوب السودان، ولبعضها علاقات مع جماعات إرهابية بليبيا، وإن هذه الجماعات (تُمَوِّل أنشطتها من خلال الارتزاق والإجرام في ليبيا وجنوب السودان، فضلاً عن الأنشطة الإجرامية في دارفور. وتشارك مجموعات المتمردين في أنشطة غير قانونية عبر الحدود) كما نص التقرير. ومنذ هذا التاريخ أصبحت مفردات: “مرتزقة”، “إجرامية”، “غير قانونية”، تَرِدُ في التقارير الدورية للجنتي الخبراء والعقوبات التابعة للأمم المتحدة بشأن حظر السلاح بدارفور.
قبلها، أكَّد تقرير لجنة الخبراء، ليناير من ذات العام، أن الحركات المسلحة قد انشغلت بنشاطات أخرى تتمثل في الاتجار بالبشر والمخدرات، والنهب والسلب.
(2)
ظهرت أول آثار هذه التقارير على تصريحات المسئولين الأمميين ذوي العلاقة بعملية السلام بدارفور. في الأسبوع الأول من أبريل الماضي، عندما هدَّد إسماعيل شرقي، مفوَّض السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي، الحركات التي تمت دعوتها للقاء برلين التشاوري، في منتصف أبريل، باتخاذ تدابير ضدها في حال رفضها اللحاق بعملية السلام. حينها كتبتُ: (بالنظر للتقارير الأممية التي رَبَطَت بين بعض الفصائل ومتشددين إسلاميين يقاتلون بليبيا، إضافةً لتورطها في عمليات الاتجار بالبشر والمخدرات والمشاركة في الصراع الليبي كمليشيات مرتزِقة، وفقاً لتقارير الخبراء، فإن المجتمع الدولي، في الغالب، يتجه نحو إدراج هذه الفصائل ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية العالمية، التي تُهدِّد الأمن والسلم الدوليين)، وَرَدَ ذلك في مقالٍ حمل عنوان (برلين.. لقاء العِصِي الغليظة).
شهد أكتوبر الحالي، تحركات كثيفة لثامبو إمبيكي، يدعو للعودة لطاولة التفاوض، وتصريحات لقادة بنداء السودان حول التسوية السياسية، قابلها خطاب مهادن من النظام. لكن تزامن كل ذلك مع ترتيبات حكومية وأممية تخطو في اتجاه فرض عقوبات من مجلس الأمن على قادة الفصائل المسلحة بدارفور، واستصدار قرار من مجلس الأمن يضعهم في قوائم الجماعات الإرهابية؛ فقد أعلن اللواء كمال عبد المعروف رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، في ختام زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، والتي كانت تلبية لدعوةٍ أمريكية، لحضور فعاليات اتحاد الجيش، إضافة لمؤتمر مكافحة التطرف العنيف، منتصف الشهر الجاري؛ أعلن أنهم، وضمن التوصيات، قد أفلحوا في إدراج الحركات (المتمردة) التي تحمل السلاح، كمنبعٍ للتطرف والإرهاب ومهدِّد للأمن والسلم في الإقليم. وفي تقريرٍ للزميل رشيد سعيد عن زيارة مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني لفرنسا، في النصف الأول من هذا الشهر، ورد في نصه حول الموضوعات التي ناقشها قوش مع الفرنسيين، خاصة ما يتعلق بقادة الحركات المسلحة ما يلي: (كان المدخل هذه المرة على ما يبدو، دعوة فرنسا لعدم إعاقة استصدار قرار من مجلس الأمن، بحق عدد من قيادات الحركات المسلحة في دارفور، عند مراجعته لتقرير الخبراء في ديسمبر القادم). (3)
يحدث ذلك، في تناغمٍ مع جهود منظمات إفريقية ودولية، تضغط في ذات الاتجاه. ففي يوم الإثنين الماضي، طلب جيرمايا مامابولو رئيس بعثة الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة بدارفور (يوناميد)، من مجلس الأمن، معاقبة عبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان المقيم بفرنسا، وذلك (لأنه يفضِّل القتال والكفاح المسلح كوسيلة لوقف الأعمال القتالية والعملية السياسية)، جاء ذلك في مداخلةٍ له وهو يعرض تقريره ربع السنوي على المجلس، عبر تطبيق الفيديو كونفرنس، وفق ما أوردت صحيفة “سودان تربيون” الثلاثاء الماضي. وجدت دعوة جرمايا التأييد الفوري من السفير الإثيوبي تاي سيلاسي، مبرراً ذلك بأن جماعات (متمردي) دارفور لا تُظهِر رغبةً حقيقيةً في إحلال السلام بدارفور، وأنهم يجمعون فوائد هائلة من الأنشطة الإجرامية في الدول المجاورة، وليس لديهم حافزٌ حقيقيٌّ لمواصلة السلام. ختم السفير حديثه بأنه (يجب أن يواجه عبد الواحد عواقب دوره المدمر).
وبينما حدد رئيس بعثة اليوناميد عبد الواحد النور بالاسم، سبقته جوانا رونيكا، رئيسة لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة بشأن حظر السلاح في دارفور، إذ قالت في الثالث من هذا الشهر، في إحاطة لمجلس الأمن، إن لجنتها تنظر في فرض عقوبات على متمردي دارفور، المتورطين في النزاعات المسلحة في جنوب السودان وليبيا، في إشارة لحركتي تحرير السودان بقيادة مناوي، وحركة العدل والمساواة السودانية اللاتي ورد ذكرهما في تقارير سابقة للجنة الخبراء. بالمحصلة، يتضح أن قادة فصائل دارفور المسلحة الثلاثة، قد طالتهم التهديدات بفرض العقوبات الدولية.
بالنظر للتهديدات بفرض عقوبات على قادة الفصائل الثلاثة، فإن مدى جديتها لا يمت بصلة لصحة الاتهامات الموجهة إليهم من عدمها، ولا بواقع الأمن والسلام في إقليم دارفور، لكنها تخضع، كغيرها من القضايا، لمستوى المرونة في التعاطي مع الدول ذات الصلة، وهنا تأتي فرنسا في المقدمة، باعتبارها دولة المقر التي يقيم على أرضها هؤلاء القادة. ولدى السودان هنا عدة ملفات؛ أولها ملف السلام بدولة إفريقيا الوسطى الذي يقوم فيه بدور الوكيل، إنابة عن روسيا، كمنازعٍ للدور الفرنسي في إفريقيا الوسطى، ولذلك، ربما، جاءت زيارة مدير جهاز الأمن والمخابرات الأخيرة لباريس، ثم تأتي ملفات ليبيا والهجرة السرية ومكافحة الإرهاب.
(4)
في ذات الوقت، فإن هذه التهديدات، تتفاوت جديتها وفقاً لمواقف قادة الفصائل من عملية السلام. فقد تُعتبر بمثابة الفرصة الأخيرة لعبد الواحد النور للالتحاق بعملية السلام، وإلا، فإن فرنسا لن تقف عائقاً أمام فرض عقوبات عليه، إن حققت ما أرادت في الملفات الأخرى المطروحة للتفاوض. أما بالنسبة لقادة الفصيلين الآخرين، فتبدو التهديدات ككرت ضغط، يُضَيِّق مساحة المناورة لديهما، ويحدِّد خياراتهما لواحدٍ فقط: التفاوض وقبول ما يطرحه الوسيط.
بالنسبة للحركة الشعبية شمال ، بجناحيها ، فيبدو أن النظام قد وجد الإنشقاق الذي قسَّمها لأُثنتين ، وما ظل يتبادله جناحاها من إتهامات وتراشق ، كافٍ ليضعها على المستوى الذي يتناسب وشروط التسوية السياسية . لذلك ربما جاءت موافقة الخرطوم ، بعد طول رفض ، على دورٍ لرئيس دولة جنوب السودان ، في تقريب الشُقَّة بين جناحي الحركة ، وتليِين مواقفهما تجاه العملية السلمية ، وإن كان النظام في هذا الصدد لا يحتاج إلا لتمرير قرارٍ بمجلس الأمن ، يفرض عقوبات على أحد قادة فصائل دارفور ، فيقدمه عبرةً لمن يعتبر . هذا مقروءٌ مع ما راج عن ضغوطٍ أمريكية على جوبا ، لبذل مافي وسعها لإنجاح المهمة . وبذا جاء لقاء سلفا كير بالفصيل الذي يقوده مالك عقار ، في جوبا مؤخراً ، ليصبح الأمر مجرد وقت حتى يتضح كُنْه الترتيبات التي سيتم اتخاذها بحق الفصيل الآخر الذي يترأسه عبدالعزيز الحلو .
لذلك، عندما يأتي الحديث عن التسوية السياسية، تظهر الحكومة وقد قامت بما يليها من (Homework) وأعدَّت مسرح الرجل الواحد، الذي تلعب فيه بقية الأطراف دور المتفرِّج، فتصبح التسوية، بهذا المعنى، وكأن الحكومة تقول لغرمائها: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

المصدر
التغيير

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى