مقالات وآراء

زهير السراج يكتب حول تصدير العقارب .. الوالى أبو عقارب !!…

الكاتب زهير السراج

* والى نهر النيل (حاتم الوسيلة) مفتكر إنو موضوع تصدير العقارب ده حاجة ساهلة ومجرد لعب، فلم يتورع فى اطلاق تصريحات صحفية “إنو (مواطنى الولاية) عملو ورشة عمل عن العقارب ــ لاحظ (مواطنو الولاية وليس علماء الأحياء) ــ وخرجوا منها بضرورة تصدير العقارب الى الخارج (للاستخدامات الطبية)، بقيمة 8 الف دولار للجرام الواحد، وإنو النائب الأول مهتم جدا بالموضوع ده، ووجه الوزارات والجهات المختصة بالتنسيق مع الولاية لإنفاذ ترتيبات تصدير العقارب” ــ حسب صحيفتنا (عدد الأمس 12 سبتمبر، 2018 )!!

* وكان سيادته قد سئل فى برنامج تلفزيونى إبان كارثة غرق التلاميذ فى بحيرة السد، عن معاناة مواطنى ولايته من انعدام البنية التحتية والخدمات ولدغات العقارب، فترك الجزء الأول من السؤال ومسك فى العقارب، وقال إنهم بيفكروا فى التخلص من مشكلة العقارب دى بشكل نهائى، وذلك بإلقاء القبض عليها بواسطة شِراك كبيرة، والتخلص منها .. (طبعا ما قال القبض عليها، لكن ده معنى كلامو) .. عندما سمعته اعتقدت أنه يمزح، ولكن الموضوع طلع حقيقى، وها هو يطور الفكرة الى مشروع لجمع العقارب وتصديرها الى الخارج (وعلينا جاى الجرام بى 8000 دولار ) .. معتقدا ان الموضوع قنقليز أو نبق !!

* لا ألوم الوالى بالطبع، فهو لا يعرف شيئا عن هذا الموضوع، ولكن على الأقل كان يقعد مع الجماعة الدخلوا ليو الموضوع فى راسو (غالبا فى قعدة شاى بلبن بعد صلاة المغرب)، ويفهم منهم الحاصل شنو، قبل ما يطلع ويقول كلام يعرضه للسخرية والانتقادات .. وكمان يورط معاهو النائب الأول !!

* يا سيد حاتم، موضوع العقارب ده كبير ومعقد جدا جدا، ولمعلوماتك بس، وخلينا نبدا من القروش المجنناكم دى .. أولا ما أى عقارب بتتباع، هنالك أكثر من 2300 نوع من العقارب المصنفة فى العالم، وهنالك آلاف غير مصنفة، وعشان تصنفها ده موضوع طويل وصعب، موش فى السودان بس، بل فى كل العالم حتى أكثر الدول تقدما .. البتتباع أكتر وسوقها رائج هى العقارب السوداء لأهميتها فى الأبحاث الطبية التى تجرى لاستحداث علاج لبعض الأمراض مثل (السرطان)، وحسب الدراسات والابحاث القليلة جدا التى اجريت فى السودان فى عشرينيات القرن الماضى (1925 و1928 )، فإن غالب انواع العقارب الموجودة فى السودان هى من النوع الأصفر وهى ذات قيمة مالية متدنية جدا، ما تجى من تعبها .. !!

* وتعبها عظيم، لو تدرى يا سيدى، فجمعها ليس سهلا كجمع النبق كما تعتقد، وذلك لطبيعة الحياة التى تعيشها، وأماكن تواجدها، وهو عمل يحتاج لإمكانيات وخبرات، أما تصنيفها فهو مستحيل فى الوقت الحالى فى السودان لعدم وجود المتخصصين، وندرتهم فى العالم، والتصنيف مهم جدا فى عملية التسويق، فليست كل الانواع مرغوبة .. والعقارب، سيدى، تنشط ليلا، وتختفى نهارا فى أماكن بعيدة من الصعوبة الوصول إليها، قد تكون تحت الأرض واعلى قمم الجبال، وفى الكهوف والشقوق، وبالليل تخرج باحثة عن رزقها ولكنها فى غاية الحذر، وتزعجها الحركة، ويستخدم العلماء لجمع القليل منها بغرض البحث العلمى أجهزة تطلق اشعة فوق البنفسجية، وبسبب صعوبة الجمع وصعوبة العثور على النوع المطلوب (العقرب السوداء) فإن قيمتها مرتفعة جدا، زى ما قلت سيادتك 8000 دولار للجرام الواحد .. وعلى فكرة يبلغ أقل العقارب وزنا حوالى (أقل من 6 على ألف من الجرام) وأكبرها وزنا (العقرب السوداء) حوالى 25 جرام (لكن دى طولها أقل من المسطرة شوية ــ 23 سم ) .. حصل شفت ليك عقرب فى السودان طولها مسطرة ؟!

* ولو فرضنا انكم عايزين تستخلصو السم وتبيعوه موش العقارب .. إنت عارف عشان تعمل ليك جالون سم (4 لتر، أو 4 كجم) بتحتاج لى كم عقرب فى وقت قدر كيف، 350 ألف عقرب من اوزن الكبير تقعد تعصرها شهر كامل وكمية من العمالة، وفى الوقت ده توفر ليها كل سبل الراحة والتغذية، العقرب الواحدة الكبيرة بتنتج فى اليوم أقل من نصف ملجم (الجرام = 1000 ملجم، والكيلوجرام 1000 جرام ) .. عرفت سعادتك ؟!

* ياخى خليك من ده كلو .. إنت عارف انو العقرب بتلد فى كم (فترة الحمل يعنى) .. بين شهرين و8 أشهر (حسب النوع)، وتبلغ نسبة وفيات المواليد حوالى 65 %، والبالغين 30 % والكبار 60 % .. يعنى حظوظ العقرب فى الحياة بسيطة، ولو حسبت فترة الحمل مع متوسط العمر، بتلقى مشروعك ده ما نافع، بعدين معلومة مهمة، تفتكر كثافة العقارب فى أكثر المناطق ملاءمة لحياتها كم .. عقرب واحدة فى المتر المربع، وترتفع فى بعض مناطق صحراء كاليفورنيا الى حوالى 8 – 10 عقارب فى المتر المربع (ومدسوسة فى محلات غميسة يعنى ما حايمة زى الغنم فوق الواطة)، على كل حال لو انت مصر أنا شخصيا بفتكر إنو مشروعك ده لو عملتو فى كاليفورنيا يكون أفضل .. على الأقل تفتح لينا سكة مع الأمريكان، إحتمال يحنوا علينا ويرفعونا من قائمة الدول الراعية، أو يغتسوا حجرنا لتدخلنا فى شؤون عقاربهم الداخلية !!

* باقى أقول ليك يا (أخوى) .. إنو لقيط العقارب ده حسب تجارب الدول التانية زى باكستان التى حباها الله بكمية كبيرة من العقارب السوداء، أو بعض دول غرب أفريقيا، ما شغل حكومات، ولا حتى شركات، ده شغل أفراد .. غالبا المزارعين والسكان العاديين، الواحد فيهم كلما يلقى ليو عقرب يلمها، ولمن يملا شنطة صغيرة (كل كم شهر كده) يبيعها لسماسرة، يبيعوها لتجار يصدروها لشركات الادوية فى أوروبا واليابان .. يعنى نشاط إضافى وما ثابت وما مستقر، ولو الشغلة بقت زى ما بتفكر إنك تلم العقارب وتصدرها بالقنطارات (ما نقول الأطنان) سعر العقارب حيضرب الواطة، عليكم الله خلوا عقاربنا فى حالها، ما تقوم تضرب الواطة زى الجنيه بتاعنا !!

أخيرا أقول ليك، أنو وجود العقارب مهم جدا للتوزان البيئى فى المنطقة التى توجد فيها، لأنها تتغذى على الحشرات الصغيرة، ولو ربنا وفقكم فى مشروع العقارب ده، ربنا يحلكم من الحشرات دى .. وعلى فكرة بعض ولايات باكستان التى تنشط فيها تجارة العقارب بشكل كبير حظرت هذا النشاط بسبب التأثيرات البيئية الضارة، ولقد صُنفت بعض انواع العقارب فى دول غرب افريقيا التى يمارس أهلها هذا النشاط من الانواع المعرضة للانقراض وأدخلت تحت مظلمة الحماية التى تمنع الإتجار بها، يعنى الحكاية من كل الجوانب ما نافعة .. خليكم مع النبق أحسن .. وناس نهر النيل عليكم الله اعملوا ليهم بنية تحتية وطرق ومساكن كويسة، والعقارب براها بتزح بعيد منهم .. ألا هل بلغت، اللهم فاشهد !!

الجريدة

بواسطة
الكاتب زهير السراج
المصدر
الجريدة

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى