مقالات وآراء

عبد الجليل سليمان يكتب : الهروب من الحقائق أم مجابهتها ؟

تواجه حكومة التسوِّية السياسية الانتقالية مشكلات جمّة ومعقدة وشائكة، بسببِ الإرث الكيزاني الذي تنوء عن حمله الجبال الشواهق، ففي الداخل ترك لنا الإخوان المسلمين – عليهم اللعنة وحاقت بهم المهانة – صراعات ونزاعات ذات طابع تنموي وهوياتي اثني وجهوي، فيما عاثوا خارج السودان موغلين في تبني قضايا لا تهم المواطن السوداني لا من ولا قريب، فدعموا التطرف والإرهاب وهاجوا وماجوا رافعين شعار الجهاد في سبيل الله، ثم سرعان ما نكصوا عنه مرتدين أعقابهم لصوصاً وسارقين ومجرمين وسفاحين وقتلّة مطلوبين لدى المحاكم الداخلية والدوليّة.
الآن وبعد ذهابهم، لن يجدي البكاء على اللبن المسكوب فتيلاً، لذلك لا حلّ لنا في الخارج، وإن كان لا بُدّ منه، ولكن فلنبدأ أولاً بمعالجة الداخل، بالنظر إلى مشاكله بجدّية أكثر، والعمل على التعامل معها بواقعيِّة، وأول ذلك تبني سياسة استعادة الانتاج والمشروعات الزراعية الضخمة والصناعة التحويلية، وبالتالي نوفر فرص عمل للشباب من الجنسين، ونحقن اقتصادنا بالكثير من الحيوية والحركة، ونستفيد في ذلك من تجارب العالم حولنا، فهناك الكثير من التجارب الناجحة والتي أصبح الاطلاع عليها والنظر فيها مُتاحاً للجميع، لذلك لا تستطيع الحكومة الحالية ولا الحكومات القادمة (خم) الناس بالشعارات الزائفة، لأنهم ينظرون يومياً إلى التجارب التنموية والديمقراطية التي تعم العالم كله، فيما يرزحون تحت نير الفقر والاستبداد وصفوف الخبز والوقود والخطابة السياسية المنبرية الفارغة الجوفاء التي عفا عنها الزمن وركلها الحاضر إلى مزبلة التاريخ.
التعويل على الخارج دائماً – دون العمل بجدّية في الداخل، دليل ضعف وعجز، ومرض أيضاً، وهو كذلك يغري الدول الأخرى بالتدخل في شؤوننا الداخلية والتحكم في قرارنا السياسي والسيادي أيضاً، وهذا لا يعني أن لا نطلب الدعم من الخارج، لكن لا نطلبه بهذه الطريقة التي تظهرنا كمتسولين نمد أيدينا (كرامة لله يا محسنين)، بل نطلبه في إطار المصالح المتبادلة، نأخذ ونعطي، ننظر إلى مصالحنا أولاً، ونضع خططاً لتنفيذها – خططاً مدروسة – يمكننا أن نستعين فيها ببيوت الخبرات المنتشرة في العالم، لأننا بصراحة أثبتنا ومنذ استقلالنا إلى الآن أننا لا نمتلك ما يكفي من الخبرات والمهارات البشرّية التي تضع الخطط التنموية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وأننا لا نعرف كيف نخطط لتنمية شاملة، وإن ما يقال حول هذا الأمر محض (كلام) فارغ، لم ير أحداً ثماره، بل لم ير أحداً أي خطة في تاريخ السودان، ومن لديه نسخ من هذه الخطط المدعاة فلينشرها على الملأ، ثم ننظر لماذا لم تطبق؟
الآن، تتعثر حكومة التسوية السياسية وتعرج، لأن البعض يُريد لها أن تفشل ويعمل من داخلها لإفشالها، بعضهم يريد من ذلك العودة بالبلاد إلى الحكم العسكري – وهذا لن يحدث – والبعض الآخر يريد انتخابات مُبكرة، لكي يتحالف مع فلول الكيزان ويفوز بها، وهكذا فإن الأمل ضعيف في أن تنجز هذه الحكومة أموراً مهمة.
أما تعويلها على الخارج، فإنه لن يأتي بنتائج ملموسة وكبيرة، وإن كان – لربما يُحدث انفراجات صغيرة هنا وهناك، لكن دائماً سيواجه بعقبات، فقضية شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحتاج دفع 8 مليارات و600 مليون دولار، أما الــ 4 مليارات و300 مليون دولار التي يتحدثون عنها فهي فقط التعويضات الأخرى التي تدفع للمتضررين ولأسر الضحايا، وهذا المبالغ الضخمة لا تستطيع إدارة ترامب ولا غيرها تجاوزها، فالقضاء في أميركا (تعرفونه)، مستقل تماماً عن السلطات الأخرى.
على الحكومة إذاً، العمل على انتاج واقع داخلي مختلف، يجعل الشعب يُقبل على العمل والتنمية والانتاج بأن يجد منها حوافز حقيقية تؤثر ايجاباً على وضعه الاقتصادي والمعيشي، وهذا أمر ليس صعباً، يحتاج فقط إلى إرادة سياسية، وإلى مخططين لديهم معرفة حقيقية، وليس مُدعين مثل أؤلئك وهؤلاء!

اليوم التالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock