مقالات وآراء

د.مزمل ابوالقاسم يكتب : مأساة أسود القرشي

*رحم الله الإمام الشافعي حين قال: (لا تأسفن على غدر الزمان لطالما رقصت على جثث الأسود كلاب).
*استحضرنا قوله حين بعث لنا الزميل معتصم عبد الله (توني) صوراً تفزع النفوس، وتوجع القلوب، التقطها جوال ابن شقيقته لأسود حديقة القرشي الجائعة، بعد أن برزت منها العظام، وبدا عليها الهزال والمرض، بسبب قسوة القلوب قبل الإهمال.
*قال أفضل الخلق المصطفى صلوات الله وسلامه عليه (دخلت امرأةٌ النار في هرةٍ ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)، وهؤلاء حبسوا أسوداً كانت تهتز لزئيرها الأدغال وجوعوها وشمل إهمالهم وقسوة قلوبهم حيواناتٍ أخرى، لم تتسع الصور لتبيان حجم مأساتها، بعد أن نفقت داخل أقفاصها حتى تعفنت.
*لم تنشأ حديقة القرشي لاستضافة الضواري، وهي لا تمثل المكان المناسب لذلك الغرض، لأنها أنشئت في زمن حكومة الفريق إبراهيم عبود رحمة الله عليه، باسم حديقة (17 نوفمبر)، وشيدت بعناية، كي تصبح متنفساً للأسر، ومستودعاً للراحة والترفيه، وملعباً للأطفال، فصارت مصدراً للإهمال والألم، في زمن الوجع المقيم.
*حدثنا أحد الأصدقاء أن منافع الحديقة عبرت حدود الترفيه لتخدم مرتاديها والمقيمين حولها بتوفير المياه لهم عندما تشح في صنابير الأحياء المجاورة، لأنها حوت بئراً خاصةً، ما زالت تعمل بالكفاءة ذاتها حتى اللحظة، وقيل لنا إن زهورها وورودها وأشجارها الباسقة كانت تحظى بعنايةٍ فائقةٍ، بالسقيا والتشذيب على يد (جناينية) مختصين، يداومون على أداء عملهم بلا كللٍ، ويتلقون مخصصاتهم من دولةٍ كان دولاب خدمتها المدنية يسير بدقَّة الساعات السويسرية.
*تم تغيير اسم الحديقة عقب اندلاع ثورة أكتوبر 1964، لتحمل اسم الشهيد (أحمد القرشي)، واستمرت العناية بها في العهود اللاحقة، قبل أن تتم إزالة حديقة الحيوانات العريقة في بواكير العهد البائد، لاستغلال موقعها المتميز في إنشاء فندق جديد، ويُنقل سكانها من الضواري والزواحف والطيور النادرة على عجلٍ إلى حديقة القرشي ومواقع أخرى، من دون أن تحظى بالعناية التي تستحقها.
*عكست الصور المفجعة أسوأ انطباع عن السودان وأهله وحكامه، بعد أن تناقلتها الفضائيات ووكالات الأنباء والصحف العالمية في شتى بقاع الأرض، لتصمنا بقسوة القلوب والإهمال، وانتهاك حقوق الحيوان، ولا عجب، فنحن نعيش في بلدٍ يعاني إنسانه ذاته من الظلم والفقر والجوع والمرض وكل بلاوي الحياة العسيرة، بسبب تفشي الفساد، وغياب مقومات الحكم الراشد، وتواتر فشل الساسة والحكام.
*مأساة أسود حديقة القرشي تومئ بطرفها إلى مأساة وطن كامل.. تعدد المتأثرون والفشل واحد، وتنوعت مظاهر سوء الإدارة في كل مرافق الدولة، ليعاني الإنسان فيها مثلما يعاني الحيوان، كي يحصل على قوته وعلاجه وتعليمه ومواصلاته وبقية خدماته بلا عنت.. انظروا لما يحدث في بلادنا على مدى العقود السابقة لتروا ما حاق بأهل هذا البلد الكريم من ظلمٍ لا يستحقونه، وحيفٍ لا يليق بكرامة الإنسان.
*ملايين الأسود البشرية، ما زالت محبوسةً حتى اللحظة في مثلث الجوع والجهل والمرض، تعاني مرارة التخلف في كل مرافق الحياة، لأن أمرها صار إلى فشلٍ متوارثٍ، أحال حياتها إلى جحيم، لتبرز عظامها جوعاً، وتنتهك كرامتها جُوراً، وتتعاظم مأساتها لتحكي ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
*بلاد منكوبة، تعاني ضواريها من الجوع بعد أن غنى لها شاعرها المبدع إسماعيل حسن (حتى الطير يجيها جعان.. ومن أطراف تقيها شبع).. حسبنا الله ونعم الوكيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock