مقالات وآراء

عبدالجليل سليمان يكتب : أزمة المواصلات – قائمة منذ القرن الماضي

ما من أزمة تطاولت وتمددت واستفحلت في بلاد السودان بعد أزمة الحكم الرشيد، غير أزمة المواصلات، وخلال الستة عقود الماضية لم تنقشع هذه الغُمة عن أهل البلاد إلاّ لبضع سنوات يُحسبن بأصابع اليد الواحدة، وكأن الله جعل أدمغة السوادنة الحاكمين غُلفاً يصعب عليها إنتاج حلول معقولة تنهي هذه المعاناة اليومية الشاقة للمواطن (الغلبان)، بل لأن الحلول لا تحتاج أصلاً إلى أدمغة ذكية وعبقرية، بل هي متوفرة في (سوق الله أكبر) وعلى (قفا من يشيل) وبالمجان أيضاً، فقط على حكومة حمدوك أن تمد يديها وتغرف من (الحلول) غرفة كبرى وتبعثرها على طاولتها لتنتقي منها الأفضل والمناسب لحالة البنية التحتية الخرطومية شديدة البؤس والفقر، ولو جلبت لذلك قطارات (نصف كم) وبصات (مش ولا بُد) وقوارب نهرية مما لفظتها شواطئ الفلبين وفيتنام وكمبوديا.
ما يهم في هذا الأمر، هو أن حل أزمة المواصلات ممكن وسهل، وإنه لا داعي لتطاولها واستفحالها بهذا الشكل المريع والمخزي؛ بما يزيد معاناة الناس أضعافاً مضاعفة، وبالتالي يقلل من الإنتاج ويضعفه، فالعمال والموظفون يصلون أماكن عملهم متأخرين ساعة أو أكثر، كما يصلون مرهقي الجسد والذهن، وبالتالي فإن أداءهم يضعف ويظل في حده الأدنى الأمر الذي يؤثر سلباً على اقتصاد البلاد الذي تحلم حكومة التسوية السياسية الانتقالية بوضعه على صراط إنتاجي مستقيم، وأنى لها ذلك، ما لم تنتهِ معاناة المواطن مع المواصلات فوراً.
هنالك أفكار وخطط جاهزة – حول إدخال النقل النهري والسكك الحديدية – في شبكة النقل الداخلية للعاصمة، يُمكن لحكومة حمدوك أن تبحث عنها في أضابير خزائن الدولة العميقة إن أرادت الاستفادة منها، أما إن رأتها من مخلفات العهد البائد النتنة، فعليها تجنبها واللجوء إلى خطط بديلة يمكنها الحصول عليها بسهولة وبالمجان، كما أسلفنا، فقط عليها بالنظر إلى العالم من حولنا وسيهتف مجلسا الوزراء والسيادة بصوت واحد (وجدتها وجدتها).
لا يُمكن لحكومة تحترم نفسها أولاً، ومواطنيها ثانيةً، أن تجعل رؤوسهم تنشوي وعيونهم تُفقأ بفعل أشعة شمس الاستواء اللعينة في لظى قيظ ظهيرة الخرطوم الحارقة وثلث ليلها الكتوم شحيح النسيم (عظيم الخطر)، ثم تأتي بهم باكراً إلى مزارعهم وحقولهم ومصانعهم ومكاتبهم وتؤذن فيهم (حي على العمل) ثم تنعتهم بالكسل والخمول وبسدنة الدولة العميقة إذا لم يستجيبوا لندائها الفظ.
كيف تريدون – يا حكومة – أن ينجز الناس أعمالهم في ظل هذه الأزمة الخانقة؟! كيف تريدون أن ينتظم الطلاب في مدارسهم وجامعاتهم والفريشة على الأرصفة والعمال في مضاميرهم، ما لم توفروا لهم هذا الحد الأدنى مما تقتضيه الكرامة الإنسانية.
صحيح، فشلت كل حكومات السودان في حلحلة هذه المشكلة السهلة البسيطة، لكنكم حكومة ثورة عظيمة، وأمامكم مهمات جسام، أبسطها المواصلات، لذلك عليكم بالحل إما اليوم أو الغد، أو (ستركبون) التونسية قريباً.

اليوم التالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock