مقالات وآراء

عبد الجليل سليمان يكتب : قرار وزير الصناعة والتجارة.. جملة تناقضات

جملة من التناقضات حملها قرار وزير الصناعة والتجارة، مدني عباس مدني، الصادر بتاريخ 7 نوفمبر 2019 والرقم (10)، واستناداً إلى الصلاحيات الممنوحة له بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء الانتقالي رقم (70) المنظم للأجهزة التنفيذية الانتقالية، واستناداً للقرارات الحكومية السابقة الخاصة بممارسة الأجانب للتجارة.
لكن في نص القرار وردت عبارات أخرى تناقض بعضها بعضاً، ما يشي بأنّ خللاً ما اكتنف اللغة (القانونية/ الديوانية) التي كُتِبَ بها القرار، وأن صياغته من هاتين الناحيتين كانت ركيكة وضعيفة؛ تفتقر إلى الخبرة والدِربة، إذ يحظر القرار (غير السودانيين الحاملين للجنسية السودانية بالميلاد) – تمعن في ما بين القوسين – من ممارسة النشاط التجاري في مجالات كافة إجراءات الصادر إلاّ بموجب قانون الاستثمار أو اتفاقيات حكومية خاصة، بجانب كافة إجراءات الاستيراد إلاّ بموجب قانون الاستثمار أو اتفاقيات حكومية خاصة، وكذلك بحظر التواجد بالأسواق المحلية وممارسة عمليات البيع والشراء سواء مباشرة أو عن طريق وسيط محلي، وأن كل من يخالف هذه القرارات سيعرض نفسه للمساءلة القانونية بموجب القوانين واللوائح المقيدة لذلك.
وهنا يأتي السؤال الملح (كيف يعتبر من يحمل الجنسية السودانية بالميلاد – غير سوداني – أي أجنبي؟)، هذا هو الخلل القانوني الأول الذي يناقض دستور البلاد وقوانين التجنيس والتجنس. لكن ربما كانت هنالك فوضى في منح الجنسيات إبان النظام البائد، إلاّ أن ذلك أمر كان ينبغي معالجته في مكانه الطبيعي أولاً، أي في وزارة الداخلية ورئاسة الجمهورية، عوضاً عن الدفع به بين ثنايا قرار متعلق بسياسة الصادر، الأمر الذي يشتبك مع صلاحيات واختصاصات وزارات أخرى ويناقض معها، فليس من حق وزير الصناعة أن يعتبر حاملي الجنسية بالميلاد غير سودانيين حتى لو كانت أصولهم من (واق الواق)، لذلك كان عليه قبل إصدار القرار بهذه الصيغة واللغة أن ينسق مع الجهات المختصة لمعالجة أمر الجنسيات بالميلاد الممنوحة للأجانب بشكل قانوني متسق مع روح الدستورية والقوانين السارية في هذا الصدد، ما إذا كانت تسمح بمراجعتها وسحبها منهم، ومن ثم اعتبار حامليها أجانب ليسري عليهم القرار موضوع الجدل، وما لم يتم هذا الإجراء فإن المستهدفين بالقرار يعتبرون من الناحية القانونية – حتى اللحظة – سودانيين بالميلاد، لا يحق لأي جهة منعهم من أي نشاط تجاري أو سياسي غير مخالف للقوانين السارية.
تلك ناحية، ومن أخرى، فإن الغائص في فحوى القرار، يستنتج أنه يحاول أن يُحمِّلَ المُستهدفين به الفوضى التي تضرب قطاع الصادر، فيما الحقيقة أن هؤلاء (الأجانب/ من حملة الجنسية السودانية بالميلاد)، ليسوا من صنعوا هذه الفوضى، ولا هم سبب الكوارث والنوازل والزعازع التي تكتنف هذا القطاع الحيوي، وإنما هي الحكومة البائدة وأزلامها الذين لا يزالون يتصدرون هذا القطاع ويحكمون سيطرتهم عليه (وفقاً للقوانين التي وضعوها)، لذلك فإن ما يمارسه (الأجانب) إن جازت التسمية) قانوناً بالطبع؛ من فوضى، ما هي إلاّ عَرَض للمرض المزمن المتمثل في القوانين والأجهزة الرقابية، وهذه يسنها ويديرها ويقف على رأسها (سودانيون خُلّص)، هم مصدر الفوضى والرشى والاختلاسات والفساد، إن توقفوا، تحسن الحال، وإن لم يتوقفوا لن نمضي قُدماً ولو قيد شبر، حتى لو نزعوا من الأجانب جنسياتهم وطردوهم من البلاد (شر طردة) ورموهم في البحر، فهؤلاء ليس بيدهم حيلة لممارسة أي نوع من الفوضى تلقاء أنفسهم – ما لم يجدوها سارية ومنتشرة ومحميّة بالقانون ومسنودة من نافذين بأجهزة الدولة المختلفة.
هكذا يبدو القرار محمولاً على استدرار العاطفة الوطنية الجياشة الناجمة عن الحالة الثورية العارمة التي يعيشها المواطن، أكثر مما هو تعبير واقعي عن نزوع نحو إصلاح جدي وجذري لحالة الفوضى التي تسود كل مناحي الحياة في بلادنا، لذلك فإنه سيظل محض حبر على ورق، طالما استهدف العرض دون المرض، كما أسلفنا.
والحال هذه، كان الأجدر أن يكون العنوان العريض لهذا القرار المختل (التنظيم وليس المنع)، وأن لا ترد في سياقه عبارة مبهمة مثل (غير السودانيين الحاملين للجنسية بالميلاد)، بل عبارة (الأجانب) فقط، خاصة وأن القرار متعلق بالصادر وبالتالي فهو مرتبط بدول أخرى (مستوردة)، وهذه تراقب وترصد القوانين والقرارات وتتعامل معنا بموجبها، ما يستوجب الدقة والرصانة في اللغة التي تكتب بها، خاصة في هذه المرحلة الاستثنائية وشديدة الحساسية.

اليوم التالي

‫3 تعليقات

  1. ما ورد في القرار النص التالي :”يحظر لغير السودانيين الحاملين الجنسية السودانية بالميلاد من ممارسة النشاط التجاري” يعني ذلك من يحمل الجنسية بأي صفة أخرى (زواج -تجنس-من ضمن رعايا السودان)

  2. يا حبيبنا عبد الجليل النظام البائد كدس عدد غير قليل من الاجانب داخل البلاد واعطتهم الجنسيه السودانيه شى بالرشوه وشى بالمحسوبيه وخارج إطار القانون الذى ينظم عملية التجنس واغلب هؤلاء إنتموا لهذه البلاد بقصاصه صغيره توصيه من التنظيم الدولى لجماعة الاخوان الاجراميه وإقتراحاتك دى كان حاول الوزير تنفيذها سيحتاج لضعف عمره من السنوات!! والبلد ماعندها رفاهية وقت والمعنيون لما يقروا قرارات الوزير حيعرفوا الوزير بالضبط قاصد شنو ومنو !! كده بالله عليكم روقو المنقه شويه فالايدو فى المويه ليس كمن يده فى النار واذكرك بان الثوار وقطعا انتم منهم كنتم تطالبون بإنفاذ الشرعيه الثوريه وكلنا عارفين ما معنى إنفاذ الشرعيه الثوريه وسبق ان جربة فينا فى 1989ومافى زوول وقتها قال (بغم) وسكتنا كما (الولايا) جمع وليه!!وعلى الآقل الوزير بيتكلم عن الاجانب سوى كانوا من حملة الجنسيه السودانيه بالتجنس او لم يتشرفوا بحملها !!.

  3. القرار واضح جدا
    لأن المؤتمر الوطني منح الجنسية السودانية بالتجنس لمن لا يستحقها مقابل حفنة من الدولارات
    و هؤلاء هم من يحتكرون الأسواق و يشترون الدولار من السوق السوداء و يصدرون المنتجات السودانية لتحقيق مكاسب ذاتية
    فتم حظرهم مع الأجانب كامل الدسم ؛ أما السودانيون بالميلاد فهم الأحق بممارسة التجارة والتصدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock