مقالات وآراء

محمد لطيف : السلام.. الحصان خلف العربة !

تحليل سياسي
لن يختلف اثنان في أهمية السلام بالنسبة لأي مجتمع ولأي دولة.. خاصة لدولة مثل السودان.. لم يذق طعم الاستقرار منذ فجر استقلاله.. لذا لن يختلف اثنان أيضا حول أي خطوة يمكن أن.. أو على الأقل يؤمل أن تحقق السلام والاستقرار.. عليه لن يختلف اثنان أيضا في دعم ومباركة ما يجري من جهد الآن في جوبا.. ولن يشكك في جدية الأطراف هناك في البحث عن هذا السلام وذلك الاستقرار.. ولكن.. كل هذا لن يغير من حقيقة أن حسن النوايا وحده لا يمكن أن يحقق ذلك السلام المنشود.. كذلك إن الدعم ليس بالضرورة أن يكون بالمباركة والتصفيق والتأييد لكل ما يجري.. بل إن بذل النصح وإبداء الملاحظات يكون أحيانا أجدى من التأييد الأعمى والهتاف الأجوف.. ولأن كل ما يجري هو محض جهد بشري.. فمن الطبيعي أن يشوب ذلك الجهد بعض القصور.. وأن يغم عن المجتهدين بعض زوايا الرؤية المهمة..!

ابتداء.. ثمة تحفظات لدى البعض عن المنبر نفسه.. بدءا ولإزالة أي لبس فجوبا هي جوبا بكل رمزيتها وتاريخها ودلالاتها لدى أهل السودان في شماله كما في جنوبه.. يرفع الناس هنا قبعاتهم تعظيما لجوبا.. سلطة وساسة ومجتمعا.. ولكن.. لا شك أن جوبا تعلم قبل الخرطوم.. أن للسلام استحقاقات ومطلوبات.. لا بد من الوفاء بها.. لترجمة مخرجات أي تفاوض لعمل فعلى ونقله إلى أرض الواقع.. والمجتمع الدولي بخبرائه ومنظماته يتحدث الآن عن مبلغ ستة مليارات دولار.. بمعدل ملياري دولار لكل عام من أعوام الانتقال.. لمقابلة احتياجات ذلك السلام.. ليبقى السؤال: ما هي الجهة القادرة على الوفاء بهذه المبالغ..؟ وليس سرا أن الاجتماع المزمع عقده منتصف هذا الأسبوع بواشنطن ويضم أصدقاء السودان.. سيبحث ضمن قضايا أخرى ذات الأمر.. ولسبب من هذا جاءت مطالبة البعض.. وبعض هذا البعض من المشاركين في منبر جوبا الآن.. بالبحث عن منبر بديل يحتضن مفاوضات السلام.. ويفي في ذات الوقت بمطلوبات ذلك السلام.. ومن الخيارات التي طرحت على التوالي.. الدوحة ثم أبو ظبي.. وقد يقول البعض إن على المجتمع الدولي المساهمة في عملية السلام غض النظر عن المنبر الذي يحقق ذلك السلام.. ولعل التجارب السابقة.. موتمر المانحين بأوسلو 2004 الذي تعهد بتقديم أربعة مليارات دولار.. ثم انتهى إلى صفر كبير.. يدفع البعض للتفكير بشكل مختلف هذه المرة.. ولعل تجربة الدوحة مع اتفاقية سلام دارفور.. مع ما شاب التنفيذ من خطل لم يكن مسئولية المانح.. يبدو نموذجا أفضل..!

أما موضوعا.. فيظل المأخذ الأكبر لمنبر جوبا تجاوزه أو فشله في ضم كيانات لا يمكن تجاوزها.. مثل قوى إعلان الحرية والتغيير وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور.. هذا يعني ببساطة أن المنبر حتى وإن نجح فسيفضي إلى مشروع ناقص للسلام.. وهذا ما نسميه إعادة إنتاج الأزمة القديمة.. ثم تأتي بعد ذلك تلك الخطوة الغريبة والمربكة من المجلس السيادي.. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الجميع تشكيل مفوضية السلام.. كانت المفاجأة السيادية بإعلان قيام المجلس الأعلى للسلام.. في تجاوز واضح للوثيقة الدستورية نفسها.. ولو أن المجلس السيادي بوصفه الراعي لعملية السلام قد اتبع خطوات منطقية لتشكيل المجلس هذا لكان مقبولا.. كان يكون مفهوما مثلا.. أن يدعو السيادي لحوار داخلي واسع.. يضم كل السودانيين.. بمختلف أطيافهم وألوانهم وأفكارهم.. حوار يستوعب حتى المعارضة الراغبة في التوافق الوطني.. بمن فيهم الإسلاميون بمختلف كياناتهم.. على أن يفضي ذلك الحوار.. للاتفاق على كل ما يجب الاتفاق عليه بالارتكاز إلى المصالح العليا للوطن ومواطنيه.. ثم يأتي المجلس الأعلى للسلام معبرا عن هذا التوافق.. ثم يفرز ذات المجلس مفوضية قومية للسلام تكون مهمتها ومناط تكليفها تنفيذ ما يتفق عليه..!

أما هذه القفزة الماثلة الآن فلم تفعل غير العودة بالحصان إلى ما خلف العربة..!

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock