مقالات وآراء

مبارك اردول يكتب: السودان.. أجندة السياسة الخارجية للحكومة الانتقالية

في خضم الجدل الدائر هذه الأيام حول وزارة الخارجية راينا أن نبتعد عن تناول الشخوص وأدائها والدخول مباشرة في النقاش حول الأجندة التي يجب أن تقوم عليها سياستنا الخارجية، لتتناقش الجهات المعنية حول جدواها، وقد وضعناها كالآتي: أولاًتحقيق السلام الشامل والعادل. ثانيا القضية الاقتصادية بأبعادها الثلاثة، ثالثا معالجة أزمة الهجرة والحرب على الإرهاب، رابعا انتهاج سياسة غير عدائية، خامسا تقوية القدرات العسكرية والدفاعية للسودان، سادسا المساهمة في تقليل الفوارق الناتجة من السياسات العالمية.

وعطفاً على ورقة سابقة كنا قد أعددناه عقب سقوط النظام والتي ذكرنا فيها أجندة للسياسة الخارجية وأغلبها مبوبة هنا، ولكن قصدنا تكرار بعضها حتى تترسخ وتكون مساهمة فاعلة لصانعي أجندة السياسة الخارجية في بلادنا ومنفذيها والمشرعين الذين يتابعونها.

جزء من الأجندة القديمة التي وضعناها قد تجاوزها الزمن وجزء منها ما تزال حية، ولكن على العموم في هذه المقالة سنحاول أن نركز في الأجندة التي مازالت ذات أهمية ونتجاوز تلك التي فات عليها الوقت.

غالباً تضع لجنة برلمانية بمشاركة مراكز بحوث ودراسات وجامعات وكذلك شخصيات مختصة أجندة لسياسات الدول الخارجية ويكون رأس الحكومة (رئيس الجمهورية / رئيس الوزراء) الشخص الأول المناط بتنفيذها ومن ثم يأتي بعده وزير الخارجية والسفراء ورؤساء البعثات ووزير الدفاع والمالية والتجارة ووكالة المعونة الوطنية … الخ، بحيث لن تقتصر أدوات تنفيذ السياسة الخارجية على الوزارة لوحدها أو يقوم بها رأس الحكومة (الدبلوماسية الرئاسية) أو كما يحدث في الدول الشمولية.

وبما أن السياسة الخارجية تقوم على عكس أو تكون تعبيراً لما يدور في الداخل فإنه في حالتنا هذه تحتاج سياساتنا الخارجية لثورة كبيرة متماشية مع ثورة ديسمبر التي غيرت نظام الحكم في البلاد، وتكون السياسة الجديدة قادرة على إحداث قطيعة من السياسات السابقة لنظام الحركة الإسلامية، والتي كانت قائمة على الاعتداء والحرب ورعاية الإرهاب والاستدانة والفساد والتردد على المحاور وغيرها من الإجراءات السالبة.

لا يجب الإبقاء على السياسة القديمة ولا الفاعلين فيها دون عملية تغيير جوهرية حتى تتغير صورة دولتنا من الشكل الذي نمطها فيه النظام السوداني خلال الثلاث عقود الماضية.

أمامنا الآن ست أجندات وضعناها مثالاً لا حصراً كمساهمة منا لحكومتنا التي تكونت بعد الثورة علها ترى ما يفيد منها وما يجب عليها فعله حتى تحقق مصالحنا في ظل العالم المتغير والمعقد الذي نعيشه.

أولا: تحقيق السلام الشامل والعادل

إن بلدنا أُثقلت بالحروب والنزاعات الاهلية الطويلة، وقد دمرت هذه الحروب البنية المجتمعية وعطلت الإنتاج وأوقفت محاولات التنمية القليلة، وكانت هذه الحروب بسبب سياسات الأنظمة السابقة، التي تميزت بالشمولية والدكتاتورية، فقد خصصت هذه الأنظمة اكثر من ٧٠٪ من ميزانياتها السنوية لتغطية نفقات الحروب والمعارك الداخلية والدعاية الحربية وشراء ذمم الساسة المنحدرين من مناطق الحروب، وفي الخارج عملت السياسة الخارجية على مد يدها إلى الدول التي كانت تزودها بالسلاح والعتاد والتكنولوجيا الحربية، وصرفت ملايين الدولارات في عقودات شراء الأسلحة والمعدات الحربية لتحقيق أغراضها الداخلية، وعملت سياساتها في المؤسسات الدولية لاستمالة ورشوة الدول لتفادي القرارات والعقوبات التي تتعرض لها نتيجة لانتهاكاتها لحقوق الانسان وللقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي بسبب الحروب.

حالياً هذه الحكومة تقدم قضية إنهاء الحرب وتحقيق السلام في أولى قائمة أجندتها للسياسة الخارجية وبالتالي كل ما تعلق بمستلزمات الحروب وميزانياتها وأنشطتها (السوفت وير) في المنظمات الدولية وفي مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والاتحاد الأفريقي والأوروبي وغيرها مما لسنا في حاجة لها، ويجب إلغاء التعاقدات الحربية التي لا تتماشى مع استراتيجيتنا الجديدة لبناء وتأسيس القدرات الحربية لجيشنا الوطني كما سيرد لاحقاً.

تحقيق السلام يقود إلى فتح مسارات جديدة في الخارج مع الدول التي تدعم السودان الخالي من الحروب المستقر وبل التي تتوسط لإنهاء نزاعاته وتقديم يد العون من أجل إعادة الإعمار والتخلص من آثار الحرب.

ثانيا: القضية الاقتصادية بأبعادها الثلاثة

إقتصادنا في حاجة لإنعاش، ليس بالقدرات الذاتية فحسب بل في حاجة لتدخلات خارجية عاجلة، وللقضية الاقتصادية ثلاثة أبعاد يجب النظر إليها بعين متساوية وتتمثل في الآتي:

(أ) معالجة الازمة الاقتصادية الراهنة.(ب) السعي للإعفاء من الديون.(ج) العمل من أجل التنمية والنماء الاقتصادي.

تتطلب المعالجة السريعة للأزمة الاقتصادية الراهنة البحث عن هبات سريعة من الدول الصديقة والمؤسسات التي يهمها استقرار السودان، أو على الأقل القروض قليلة الفوائد وطويلة الأجل، وليس القروض التي تتميز بكثرة فوائدها والقصيرة الآجال، وهذه الأخيرة (ستزيد الطين بلة)، إن مطلوبات البلاد حالياً تتمثل في تغطية عجز الموازنة وسد الدين الداخلي وتلبية احتياجات المواطنين المعيشية، ريثما تستطيع الحكومة من القيام بواجباتها من خلال تسخير مواردها الذاتية. يجب أن تتحرك بوصلة العلاقات نحو الدول والنوادي التي تتفهم هذه الحوجة وهي في حاجة لمساعدة بلادنا.

أذكر ان أوروبا كانت قد عانت من نفس ما يحدث الآن في السودان، كان ذلك في حقبة الأربعينات عند انتهاء الحرب العالمية الثانية، فقامت أمريكا بتقديم مشروع المارشال لمساعدة (١٧) دولة أوروبية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وبناء اقتصادها من جديد ونهضتها وتقوية قدارتها الإنتاجية، وابتدر المشروع وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال، فقدمت أمريكا هبات عينية نقدية بالإضافة لحزم من القروض طويلة الأمد، قدرت تكاليف المشروع بـ (١٣) مليار دولار، وبغض النظر عن اهداف مشروع المارشال حينها والتي كانت تسعى لمحاصرة الشيوعية وتسعى لتوسع السياسات اللبرالية وغيرها الان انها قد ساعدت على نمو وازدهار أوروبا التي نراها اليوم، فالسودان في حاجة لمشروع مارشال بخصائصه الراهنة وبنهكة سودانية، ويجب أن تسعى سياساتنا الخارجية لتحقيق هذه الغاية مع وزارة المالية بوضع خطة لذلك، فالمارشال لم يكن فوقياً بل اجتمعت الدول الاوروبية وحددت حاجتها وقدمت خطة مشتركة للإدارة الأمريكية في عهد الرئيس هاري ترومان أجازه الكونغرس باسم ما يعرف ببرنامج الإنعاش الأوروبي.

السعي إلى الترويج لفكرة قيام المؤتمر الدولي الاقتصادي لدعم السودان من أجل مارشال سوداني يجب أن تتولاه وزارتا الخارجية والمالية معاً ،والبحث عن المانحين والمؤيدين له ضرورة.

هذا، بالإضافة إلى الدخول في مناقشات جدية حول قضية الإعفاء من الديون التي ورثتها الحكومة من النظام السابق والتي وصلت (٥٨) مليار دولار تقريباً.

من ناحية أخرى فإنهاء الحروب وتحقيق السلام والاستقرار سيعمل على فتح فرص الإنتاج كما سبعمل على زيادة المنتجين والمساحات الإنتاجية، سيما وأن بلادنا تعتبر الزراعة بشقيها النباتي والحيواني من عماد اقتصادها وكذلك التعدين الذي دخل حديثاً، فأغلب مناطق الزراعة والتعدين تعتبر حالياً ساحات حروب، والمنتجون حالياً نازحون ولاجئون، وبالإضافة إلى ذلك فإنهاء الحرب سيعزز فرص الاستثمار وسيلعب الاستقرار دوراً في مجال فتح فرص السياحة في البلاد. السياسة الاقتصادية في البلاد يجب أن تتحاشى تطبيق النماذج المفروضة من الدول والمؤسسات والتي تعمل على زيادة حدة الفوارق بين الفقراء والأغنياء في البلاد وحول العالم، وهي صيغ متعمدة تفرضها بعض شروط المانحين.

ثالثا: معالجة أزمة الهجرة والحرب على الإرهاب

تعتبر قضية الهجرة (لجوء وهجرة غير شرعية) قضية تعني بعض الشركاء الدوليين خاصة الدول الأوروبية وهي دول مهمة للسودان، ويمكننا كدولة لها خصائص كبلد مصدر ومعبر ومستقر للمهاجرين فإنه بهذه الصفة الاستراتيجية يمكن أن يلعب دوراً في إيقاف ومعالجة هذه الظاهرة، فالسياسة الخارجية يجب أن تقوم على معالجة جذور هذه القضية بشكل جذري، ليس بالطريقة التي صممت بها (عملية الخرطوم)، وإن كان السودان غير متضرر كبير إلا أن تجاهل وضع هذه القضية ضمن اهتماماتنا الخارجية قد تضرنا كثيراً. أما قضية الحرب على الإرهاب فهي قضية تورط فيها نظام الحركة الإسلامية (الاخوان المسلمون) السابق بطبيعته وأيضاً عبر إيوائه للجماعات المصنفة إرهابية مثل تنظيم القاعدة وحركة حماس ومسؤوليته وتمويله لبعض الأنشطة والمنظمات الإرهابية بينها المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وغيرها من الأنشطة الإرهابية المتهم فيها مثل تفجير المدمرة الأمريكية (يو اس اس كول) وسفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام، وتدخله في دعم بعض الجهات الليبية التي تتوافق ايدلوجيا معها. هذه السياسة تحتاج الاقتلاع الفوري وتجفيف كل مصادر تمويلها ووقف إيواء هذه الجماعات، ويتم ذلك بالتنسيق والتعاون مع أجهزة القطاع الأمني (الجيش والأمن والدعم السريع) وكذلك مع وزارة المالية، لتكون سياسة حكومية متناسقة داخلياً وخارجياً، ومن ناحية ستمكن تلك السياسة الحكومة من النجاح في إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

إن اتخاذ موقف صارم تجاه الإرهاب ومنظماته وشخصياته قضية مبدئية يجب أن يكون موقف بلادنا واضحاً تجاهها وليس تكتيكاً من أجل الابتزاز وتخريب استقرار الدول.

رابعا: انتهاج سياسة غير عدائية

هذا البند مرتبط مع البند السابق ويعتبر أساسه احترام سيادة الدول والكف عن التدخل في الشئون الداخلية لها، بغض النظر عن نوعية التدخل فيجب الكف عنه بالتمويل أو الإيواء أو التدخل المباشر، ويجب أن تسعى الدولة لاتخاذ سياسة متزنة، إلا التي قد تكمن من الإضرار باستقرار الدول الحليفة لبلادنا ومضرة بسيادتها فهنا يتطلب اتخاذ قرارات تحافظ على استقرار دول الجوار والحلفاء وأنظمتها الشرعية وفق القانون والأعراف الدولية. هنالك العديد من الجماعات المعارضة التي تتواجد في الأراضي السودانية يجب إبلاغها بمغادرة البلاد وتصفية وجودها أو الدخول في مفاوضات سلام مع دولها، كما يجب تجفيف كل الأنشطة التي تدعمها اقتصادياً ودبلوماسياً، فقد استغلت بعض هذه الجماعات سفارات بلادنا في الدول الأخرى كمقرات لممارسة أنشطتها وحازت حتى على وثائق سفر دبلوماسية وعادية.

خامسا: تقوية القدرات العسكرية والدفاعية للسودان

الجيش السوداني أنهكته الحروب الداخلية الطويلة والإهمال والاختراقات السياسية وانفصال الجنوب، فأصبحت قدراته متناقصة، وعالمياً حسب مجلة (غلوبال فير-بور الأمريكية) للعام ٢٠١٩م يحتل الجيش السوداني المرتبة رقم (٦٩) ضمن بحث شمل (١٣٧) دولة ضمن الجيوش الأقوى عالمياً، وإن احتل الجيش السوداني مرتبة ضمن العشر الأوائل في افريقيا إلا أن هذا غير مُرضٍ. فبعد معالجة أمر إعادة هيكلة القوات المسلحة وفق اتفاقية السلام وبناء جيش وطني جديد يجب تطوير هذا الجيش وتدريبه ورفع قدراته ليدافع عن حدود البلاد ويحمي التوافق الوطني المبوب في دستور البلاد الدائم، إن وجود جيش وطني قوي وحديث ومتطور يظل أولوية، ووفق ذلك يجب أن تلعب وزارة الخارجية مع وزارتي الدفاع والمالية وهيئة الأركان دوراً لبحث هذه الفرص ومد يدها للدول الصديقة والحليفة التي ستتعاون مع بلادنا في مجال التدريب وتطوير قدرات الجيش الدفاعية.

سادسا: المساهمة في تقليل الفوارق الناتجة من السياسات العالمية

لقد أحدثت السياسات الليبرالية المتعولمة بنهجها غير المتكافئ فوارق تنموية كبيرة بين دول العالم، بين دول الجنوب العالمي(دول العالم الثالث) والشمال العالمي (الدول المتطورة)، ووفق الإحصائيات الحديثة تزداد نسبة الفوارق بشكل مطرد يومياً بين الدول العالم الثالث والدول المتقدمة، وأن دولاً محددة مستفيدة من سياسات التحرير الاقتصادي والتجارة الحرة وحركة رؤوس الأموال العالمية التي تتبناها سياسات العولمة، وتشير بعض الإحصائيات أن نحو ٨٧٪ من المنتجات العالمية تنتجها أمريكا وأوروبا واليابان وأكثر من ٩٤٪ من الصادرات العالمية والسلع المصنعة هي من إنتاجها، ولذلك هي من ناحية تؤيد بشدة إزالة كل العوائق التي تمنع التجارة الحرة، وبما أنه يصعب على السودان اتخاذ أي موقف حيال ذلك، ولكن على أي حال يجب أن تتميز سياساتنا الخارجية بخصوص السوق الحر بالتأني وعدم الانقياد والتبعية، بل وانتهاج مواقف توافقية يتقدمها مصلحتنا وعدم الإضرار بالآخرين، لسنا أسرى للأيدولوجيات ولا الوصفات الجاهزة ولكن الاستفادة من التجربة وتلافي عيوبها يجب أن تتسم بها تعاملاتنا في السوق العالمي.

المصادر :

  • مشروع مارشال – الجزيرة نت.
    *٥٨ مليار دولار ديون السودان الخارجية- العين الإخبارية.
    *المصطفى ولد سيد احمد – تأثير منظمة التجارة العالمية على الاقتصاد العالمي – الجزيرة نت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock