مقالات وآراء

مزمل أبو القاسم يكتب : حكومة الإنقاذ.. من تحت الصفر

للعطر افتضاح
*(نلتقيك اليوم يا وطني لقاء الأوفياء، قد تنادينا خفافاً، كخيول الريح في جوف العتامير تنادينا.. لك يا أرض البطولات، وميراث الحضارات، نغني اليوم في عُرس الفدا).. أو كما ترنَّم الشاعر الدكتور مبارك بشير، ذات ليلٍ.. لم يكتمل قمره بدراً كما تمنينا.

*ليلة الأمس زففنا الفرحة للوطن، وخضبنا الأيادي بحناء الرجاء، انتظاراً لغدٍ أجمل، ومستقبلٍ أكمل، وقادمٍ أفضل، نودع فيه دياجي الفقر والجوع والمرض، ونتنسم فيه عبير الحرية، لنعيش فيه إخواناً أحبَّةً، وننال فيه ما نستحق من كرامةٍ وعزَّةٍ وعيشٍ كريم.

*اكترى شعبنا المقدام ثورته بدماء شبابه، ونرجو لبيعه أن يربح قادماً أفضل، ومستقبلاً أزهى.

*نفتح اليوم صفحةً جديدةً من مسيرة وطنٍ عانى الأمرين من عقوق أبنائه، وفساد حُكَّامه، وتنازع ساسته، ونرجو للآتي أن يختلف كماً ونوعاً عن الماضي، كي نتنادى جميعاً (كخيول الريح)، ونتشارك بناءه، ونتنافس في إرساء دعائم نهضته.

*إن أبرز مكامن الملاحة، وأبهى مظاهر البهاء والعظمة في ثورة ديسمبر المجيدة أنها قامت على أكتاف شبابٍ توهمنا جميعاً أنه مُجرَّدٌ من الوطنية، ومُنبتٌّ عن جذور آبائه، فاختار أن يدهشنا بجرأته وطموحه وعزمه وتفانيه في فداء وطنه.

*فدوا سودانهم بأرواحهم، وخضبوا ثورتهم بدمائهم، وأثبتوا لنا جميعاً أن تباكينا على الماضي، وحنيننا إليه غير مبرر، لأن هؤلاء الفتية الميامين فاقونا حباً وولاءً وتضحية وفداء لهذا الوطن الجميل.

*انتهت مرحلة الثورة بهد أركان دولة الظلم والفساد، وبدأت معركة بناء الوطن، كي يعود كما كان، ويرتقي مدارج التحضر، ويتسنَّم موقع القيادة بين بقية الأمم.

*بدأت مسيرة الإصلاح والتشييد ونرجو أن يكون عِماد نهضتها عملاقاً متقناً، وحكماً رشيداً، يضمحل فيه الفساد، وتتلاشى منه المحسوبية، وتسود معايير الكفاءة والنزاهة والتفاني في خدمة الوطن الحبيب.

*واهمٌ من يظن أن تلك المعركة تخص قوى الحرية والتغيير وحدها، لأنها تمثل تحدياً ذاتياً، وامتحاناً فردياً لكل من أنعم عليه المولى عز وجل بنعمة الانتماء إلى بلاد النيل والنخيل.

*كل موظفٍ في مكتبه مسؤول عن خدمة وطنه بتجويد عمله، وتخصيص كل دقيقة من وقته لقضاء حوائج مواطنيه.. كل عاملٍ مطالبٌ بأن ينجز ما يليه من مهام بأقصى درجات الإتقان.

*الحكومة الجديدة ستبدأ عملها من وسط الركام، وسترث دولةً مفككةً، وبنكاً مركزياً مفلساً، وخدمةً مدنيةً منهارةً، ومنظومةً عدليةً متفسخةً، وقضاءً مسيّساً، ونظاماً صحياً عليلاً، وتعليماً متردياً، وبنية تحتية متهدمة، ومنظومة أمنية مفخخة، وغلاءً فاحشاً، وفقراً مقيماً.

*باختصار.. ستجد حكومة حمدوك نفسها مطالبة بأن تبدأ من (تحت الصفر)، وستزداد مهمتها تعقيداً لتلامس الاستحالة، إن توهمنا أنها تمتلك عصا موسى لتغير هذا الواقع المؤلم بين يومٍ وليلة، لذلك نطالب كل النقابات والمنظمات المهنية بأن تحض منسوبيها للتفرغ للعمل، وأن تمهل الحكومة الجديدة عاماً على الأقل قبل أن تثقل عليها بأي مطالب.

*من عايشوا الديمقراطية الثالثة يعلمون أن توالي الإضرابات، وتعدد مظاهر التوقف عن العمل كانت السبب الأول في فشل حكومة الصادق وعودة حكم العسكر.. فهلا اتعظنا هذه المرة، كي نتفرغ لخدمة الوطن، بنفيرٍ شاملٍ، وجهد متكامل، يلي كل من ينبض صدره بحب السودان؟

*حكومة الثورة تستحق أن تنال لقب (الإنقاذ) حقاً لا ادعاءً، لأنها مكلفةً بإنقاذ البلاد من خرابٍ ممنهج، ودمارٍ شامل، امتد ثلاثة عقودٍ في ذمة مُلك التمكين الفاشل العضود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock