مقالات وآراء

زهير السراج يكتب: عذريتي ليست شرفي !!

  • أنا هديل خريجة صيدلة، وبُرجي قبل اليوم كان العذراء، تربيت بين أب مناضل وأم قيادية في النظام السابق، فكان البيت دائما ما يضج بخلافاتهم السياسية، وكنت انا دائما بعيدة عنهم. مللت الوطن بأجمعه، وكانت احلامي تحلق دائما نحو اوروبا لألحق بركب اخي الاكبر.
  • في يوم سمعت أبي وأمي يتراشقان بالحديث عن تظاهرات بمدينة عطبرة، فلم اهتم بالأمر كثيرا كأنهم يتحدثون عن بلد آخر، وواصلت الاستماع للأغاني الغربية بعيدا عن كل شيء.
  • وفي احد الايام وانا في الطريق من الصيدلية للبيت كانت الحركة تسير ببطء شديد وصيحات تهز الارض حرية سلام وعدالة _والثورة خيار الشعب، فأخذ قلبي يخفق بسرعة وطغى صوت الهتاف علي صوت سماعة اذني التي تنساب منها الموسيقي، فنزلت من الحافلة بسرعة وسرت وسط الموكب كالأطرش في الزفة، وبدأت اركز في افراد الحشد. كانت هناك فتيات اصغر مني يهتفن بحماس، وأم تبكي بحرقة ورجل مسن يتوكأ علي عصاة يضرب بها الارض بروح الثائر ضد الظلم، فبدأت أهتف معهم كنوع من التغيير وكسر الروتين. ولكن كان الامر اكبر من ذلك بكثير، فبداخلي احاسيس تنتابني لأول مرة، وعبارات سمعتها كثيرا من أبي، لم افهمها إلا في هذه اللحظة، فانتقلت إليَّ العدوى بسرعة فائقة وأصبحت واحدة من هذا النسيج الملتهب بحب الوطن، ورجعت المنزل بشخصية مختلفة تماما..
  • فرح ابى بالتحول الذي انتابني، ولم تكن أمي سعيدة ابدآ، وكانت علي الدوام تضعف همتي وتسخر منى، وكان تصرفها هذا هو وقودي لكي اكون فتاة كل المواكب، اسعف الجرحى واساعد الاطباء واطبطب علي امهات الشهداء، خصوصا ان الثورة اخذت ذروتها في الاشتعال.

8 من وسط البمان ودخان حريق الاطارات تم اعتقالي في السوق العربي وانهالوا علي بالهراوات، ولكنني نجوت بسبب شاب راكز أصر وبعناد رجولي أن يلفت انتباه الكجر نحوه فتركوني علي مضض، فأخذ يصرخ في وجهي بقلب شفوق (انفدي بجلدك) .. فضربوه ضربا مبرحا واخذوه معهم. مرت الأيام لكن صورة ذلك الشاب لم تفارقني واحساس بتأنيب الضمير ممزوج بشي من العاطفة نحوه يؤرق منامي.. كلما تناسيته سألني منه ابي بعفوية ( الشاب الانقذك داك، تاني ما شفتيهو؟)

  • وجاء 6 ابريل والاعتصام الجمهوري كما يحلو لأبي ان يقول، وانا وحدي كنت اواجه ثورتين، ثورة الوطن الجريح وثورة داخل البيت بين ابي وامي التي كانت دائما ما تصب غضبها عليّ بسبب خروجي للمظاهرات عكس ابي الذي كان يوفر لي كل اشكال الدعم، وكانت هي تسخر منه: (لِمْ لحمك يا راجل). بسبب هذه العبارة لم اعد اطيق أمي، وصار الاعتصام هو منزلي وسلوتي ووطن ممتد بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني عميقة.
  • توالت الأيام وقد تبعثرت روحي وسط كم من الأشياء لفترة من الزمن، ولكنها اجتمعت مرة اخري برؤية (حسن) ..لمحته من خلال فتحة بخيمة افطار الصائم والشمس تشارف علي الزوال ونحن نهم بأعداد الافطار للمعتصمين، ركضت خلفه وناديته بصوت متحرج من الخجل(حسن)، والتقينا وعرفت انه مهندس من اهالي مدينة عطبرة، فشكلنا معا فريق عمل تطوعي خدمي باسم الوطن، وعرفته علي أبي فحدث بينهم انسجام فطري.
  • في 27 رمضان بدأنا نخطط لفرحة العيد من داخل أرض الاعتصام. توزعت المهام وتم الاتفاق علي توزيع الهدايا على أسر الشهداء والجرحى في صباح 29 رمضان، ولذلك كان علينا المبيت في ميدان الاعتصام، وكانت ليلة 28 رمضان من الليالي الفريدة، جمع مهيب واحلام وامال تعانق السماء وكشافات الجوالات كأنها الدر، ولأننا شعب طيب فُطرنا علي الصدق، صدقنا الوعود بعدم فض الاعتصام .. ولكن !!
  • غُدرنا في الساعات الاولي من الفجر بوحشية، أيقظنا صوت الرصاص وصياح الشباب. كنا انا زميلاتي نغفو داخل خيمة المنظمة، وبعد دقائق قليلة شبت النار في الخيمة المجاورة لنا، وأتي (حسن) ومعه شباب وقال لنا بانزعاج (خلو اي حاجة وامرقوا جرى)، وعند خروجنا كان العسكر قد احاطوا بنا، وأخذوا يضربونا بعنف ويشتموننا بعبارات بذيئة. حاول حسن حمايتي ولكن ضربه احدهم بمؤخرة البندقية، حاولت الوصول إليه، ولكن منعني اثنان احكموا وثاقي وانا اصرخ، وصوت شخير حسن يتعالى بدم يتطاير من رأسه، فضحك احدهم بسخرية، ووجه فوهة البندقية نحوه واصابه بطلق ناري، هنا لم اتمالك نفسي واغمي علي. لم ينقذنا صراخنا ولم تحمينا قوات الشعب الذي كان يحتضر امام حُماته!!
  • لن احتقر نفسي…
    وعذريتي ليست شرفي…
    شرفي ثورتي وقوة شخصيتي…
    لقد تجرعنا المرارات لأجل وطن أهدانا اصدق الاخوة ليتوجوا شهداء…
    لن يكسرني حزن أبي…
    ولا سخرية أمي …
    ولا ظلم مجتمع يعدمنا احياء
    سأغدو كإشراق شمس الصباح
    فالشمس شمسٌ أمام الرماح
    ومن عاش بضاً أذته الرياح
    فصبرا جميلا بشفق الجراح
    (تحيي تعيشي لا مقهورة لا منهورة)
    الجريدة

‫2 تعليقات

    1. فعلا، ليت القصة تكون خيال وليست حقيقة لأنها لو كانت حقيقة فما أقساها وما أقساها وما أقساها ولا أظن أن هناك شيء يستحق التضحية من أجله بالعرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock