مقالات وآراء

هنادي الصديق تكتب: تنمر وإستئساد

حالة من الإنفعال غير المبرر وقومة نفس إنتابت الشارع السوداني مؤخرا مصحوبة بتشنج عالي وإرتفاع في لغة القمع والتخوين، حتى بتنا نرى وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة الفيس بوك أشبه بساحات حرب كلامية ومعركة ألفاظ قاسية لم تكن موجودة في السابق حتى في أوج سلطة القمع والقهر التي مارسها حزب المؤتمر الوطني ضد الشعب السوداني.
نعم الأجواء الان ديمقراطية، ووجد الشعب نفسه فجأة أمام فضاءات واسعة من الحريات، خاصة حرية التعبير وهي التي كانت شبه معدومة في السابق، فصارت ثقافة النقد سائدة وبقوة في الشارع السوداني على جميع المستويات، وأصبح المواطن يمارس جهرا حقوقه في إنتقاد ما لا يروق له او ما لا يتوافق مع آرائه وأهوائه، كل ذلك أمر طبيعي ومقبول جدا، ويضع أرضية صلبة للشعب السوداني تجعله يقف بقوة أمام أي إنحراف للحكومات القادمة عن مسارها، او أي محاولات للإتفاف على ثورته أو حقوقه او حتى مجرد التفكير في قمعه.
إلى هنا والامر طبيعي جدا وعادي ومبرر بعد سنوات الكبت العجاف، ولكن غير المبرر هو الحملات التخوينية التي يقودها بعض النشطاء ومنسوبي الأحزاب ضد قيادات أحزاب أخرى موالية وقيادات في تجمع المهنيين وقوى إعلان الحرية والتغيير، نعم من حقهم أن يجاهروا بآرائهم في سياسات البعض او تعاطيهم مع القضايا الوطنية ولكن من غير المفيد ولا الصحي إنتقاد الأشخاص بهذا الشكل المرضي، الذي لن تستفيد منه سوى الثورة المضادة وتوابعها، وما يحدث حاليا من إستهداف واضح مع سبق الإصرار والترصد لبعض قيادات الحرية والتغيير لا يخرج من نطاق الغيرة السياسية العمياء والتي تقود اصحابها إلى المستنقعات الآسنة.
إغتيال الشخصية من أكثر الأمور التي باتت تتصدر صفحات السوشيال ميديا من بعض فئات الشعب بكل أسف، بل أصبحت ثقافة للبعض ممن لا يعجبهم أن يروا غيرهم في أفضل الحالات، وباتت تصفية الحسابات الشخصية سمة لبعض للمثقفين والتقدميين واصحاب الوعي كما كنا نسميهم، فبتنا نرى الحملات التشهيرية والتخوينية والإشاعات تتصدر الترندات، ومعروف أن الإنطباعية واحدة من أسوأ الصفات التي يتصف بها الشعب السوداني الذي بات يميل لتصديق الإشاعات خاصة السيئ منه بشكل مبالغ فيه، يطلقون الإشاعة ويصدقونها وينشروها على صفحاتهم ويتلقفها المواطن البسيط ويمررها بدوره للمئات من قوائم معارفه واصدقائه وهكذا. حتى بتنا لا نرى أي حملة ولو صغيرة مطالبة بإسترداد منهوبات السودان خلال ال 30 عاما الماضية، ولا حتى المطالبة بتسليم قوائم رؤوس الفساد إلى العدالة وإختفى حتى السؤال عن أماكن تواجدهم.
الوضع الحالي يحتم على الجميع الترفع عن ما يحدث من مشاهد مؤسفة تجهض اي محاولات لإنجاح الثوة والعبور ببلادنا إلى بر الأمان.
فالوضع بالسودان لا زال (هشَا)، والقوى المترصدة لأقل هفوة متواجدة ومتنمرة وتنتظر حرف واحد فقط لتنسف به اي إستقرار أو حراك إصلاحي.
أعداء الوطن كُثر بالداخل والخارج، والراقصين على جثث الشهداء لا زالوا يرقصون، بل ويتعطشون للمزيد من الدماء، لذا إغلاق ابواب الفتنة يجب ان يبدأ من مثقفي وقيادات المستقبل، بترفعهم عن سفاسف الأمور وإختيارهم طريق الخلاص النهائي عبر إستبدال مساحات الهتر والسجال غير المفضي لنتائج إيجابية في صفحاتهم عبر السوشيال ميديا وعبر حملات التوعية للمواطن بما يتطلب الوضع في المرحلة المقبلة، وتنويره بحقوقه وواجباته للوصول إلى التغيير الذي قامت من اجله الثورة، لأن إستمرار هذا الوضع يؤكد شيئا واحدا لا ثاني له وهو ان الثورة لم تنجح حتى الان وإن نجحت فقط في إسقاط رأس الفساد رئيس النظام البائد.
الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock