مقالات وآراء

مزمل أبو القاسم يكتب : “البِحِل أمُو كلو سمح” !

د. مزمل أبو القاسم

*أين تسهر هذا المساء؟
*سؤال مُحبب، كان يتردد في وسائل الإعلام بسودان المليون ميل مربع يومياً، عندما كانت (الدنيا بي خيرها)، وكانت الرغيفة (قدر الطارة)، وكانت تقسيمات العُملة تبدأ من المليم والقرش والفريني والشلن والريال، صعوداً إلى جيل الطرادة والخمسين والجنيه (أب جمل)، الذي كان يساوي أكثر من ثلاثة دولارات.
*كان ليل الخرطوم عامراً بالبهاء، وكانت مسارحها تضج بالنشاط، وفيها يأتلق الفاضل سعيد في أدواره الشهيرة، (كرتوب وبت قضيم والعجب)، وكانت تحية زروق تبدو نديةً مثل زهرة السوسن، غضَّة تفيض بالصبا وتنثر العطر على (الخشبة)، لتحكي لنا تفاصيل (خطوبة سهير)، وكان المسرح يعج بالعمالقة، من لدن مكي سنادة وحسن عبد المجيد والسميح (فتحي بركية) ويس عبد القادر وعبد الوهاب الجعفري ونعمات حماد وعثمان حميدة (تور الجر) وعثمان أحمد حمد (أبو دليبة)، وسمية عبد اللطيف وأبو العباس محمد طاهر وعمر الخضر وفائزة عمسيب ومحمد خيري أحمد وبلقيس عوض وحاكم سلمان وبقية عقد المسرح السوداني النضيد.
*كانت دور السينما تعلن عن أفلامها في الصحف والتلفاز بقناته الوحيدة قبل أن تتعدد الفضائيات، وتتنوع الخيارات لتصبح أكثر من حبات الذرة في قناديل القضارف، وكان السُّمار يتدافعون نحو كولوزيوم والوطنية والنيل الأزرق والصافية وبانت والنيلين وحلفايا وصولاً إلى قصر الشباب والأطفال وحتى قاعة الصداقة.
*قبل يومين بشّرنا الفريق أول صلاح عبد الخالق، عضو المجلس العسكري الانتقالي بعودة تلك الدور إلى العمل، بعد أن علاها الغبار، وطواها النسيان، وتحولت إلى خرابات ينعق فيها البوم.
*كانت ليالي العاصمة نديةً، يصدح فيها وردي والباشكاتب وعركي وكابلي (يا أغلى من عينيَّ وأحلى من ابتسامتي)، وكان صوت عثمان حسين المترع بالشجن يردد على مسامعنا (دايماً أطيِّب خاطرك الغالي وأسامحك لو نسيت)، قبل أن تتلوث آذاننا بأغنياتٍ مبتذلةً مفخخة، على شاكلة (حرامي القلوب تلب)!
*حتى مراكز الشباب، كانت خلايا نحلٍ، تضج بالحيوية، وترفد السودان بأبطال عالميين في شتى الرياضات، مثلما فعل مركز شباب الربيع مع موسى جودة والكشيف حسن، ومثلما منحنا مركز شباب السجانة أحد أفضل فرق الكرة الطائرة في تاريخ السودان، ولم يكن نشاط تلك المراكز يقتصر على الرياضة، بل يتعداها إلى الموسيقى والمسرح والفن التشكيلي وغيره.
*كانت الدنيا رخية، والحياة سهلة، تخلو من المنغصات، وكل شيء في سودان المحبة جميل، جمال النيل والنخيل، وبهاء توتيل وجبل مرَّة والأنقسنا (ومن مريدي السمحة لمحة)، ومن نخيل الباوقة طرحة.. وجبل الرجاف الما بنشاف.. و(جوبا مالك عليَّ)، كان كل شيءٍ في بلادنا رائعاً، روعة الخرطوم في مقرن النيلين.
*حنين السودانيين المتصل إلى الماضي مُبرر، ومفهوم الدوافع، ففيه تكمن عظمة هذه الأمة الباذخة المحصنَّة بالمحنَّة والطيبة وكل مكارم الأخلاق، وفي الحاضر المؤلم ما يكفي من المنغصات، وما يدفع إلى اجترار الذكريات.
*كانت شوارع الخرطوم تُغسل بالصابون وربما الديتول يومياً، لتبدو في أتم زينتها، وتتناسب مع نقاء نفوس أهل هذا البلد الجميل.
*أين نسهر هذا المساء؟
*كنا نتعشم أن نسهر في (فندق كورنثيا) لنتسقَّط أخباره، وندير مؤشرات (الريموت) نحو الفضائيات التي تنصب كاميراتها في جوفه الوسيع، حيث يجتمع وفدا المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، انتظاراً لاتفاقٍ يفتح أبواب المستقبل (ضلفتين) على قادمٍ أجمل، علَّه يهدينا بارقة أملٍ تفرِّج ضيق النفوس المكروبة، وتفتح الأفق المسدود، وتقودنا إلى واقعٍ يشبه ماضينا الزاهي، وتاريخنا المترع بالمحبة والرخاء والنماء والبهاء.
*لم يحترموا تشوقنا للقيا، فامتحنوا صبرنا بتأجيلٍ جديد، ومع ذلك سنرقب ما قد تجود به قاعات الفندق الذي بناه الليبيون على شكل بيضة، قبالة المقرن، فشهق ليلامس السحاب، ويهدي العاصمة مَعلماً معمارياً، بدت في أمس الحاجة إليه، بعد أن شاخت، وتحول جمالها القديم إلى دمامةٍ مفرطةٍ، وبدانةٍ زائدةٍ، وقُبحٍ مقيم.
*سنتوقع من الشتيتين أن يتحولا إلى شريكين ولو بعد حين، ونتعشم فيهما أن يحسنا إدارة مواضع التنازع، ويستعيذا بالله من شياطين التفاصيل.
*نريدهم منهم أن يتفقوا، بل نستحلفهم أن يفعلوا، لنحتفل مع الملايين المكروبة، ونردِّد معها مقولة أهلنا الطيبين لذوات الأحمال في مخاضهن العسير: (البِحل أُمُو كلو سَمِح)!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock