مقالات وآراء

كاتب كويتي يكتب : السودان وتقاسم السلطة

ليس مستغربا أن يتم التوصل إلى اتفاق سياسي لتقاسم السلطة في السودان بين المجلس العسكري الحاكم وتحالف من جماعات وأحزاب المعارضة بعد اكثر من 3 شهور من عزل الرئيس السابق عمر البشير بعد احتجاجات حاشدة أسقطت حكمه الدكتاتوري والذي استمر 30 عاما وبمساعدة مباشرة من الجيش السوداني نفسه الذي أحرجه الفساد السياسي وحكم البشير كثيرا.
ولكن هل يمكن الوثوق بمثل هذا الاتفاق الجديد للتحول نحو حلم الديمقراطية والذي ظل حلما لجميع السودانيين منذ الاستقلال عن الحكم الاستعماري البريطاني في الخمسينيات من القرن الماضي، وهل بالفعل سيتم الالتزام ببنوده وخاصة من جانب النخبة العسكرية؟
المطلع على تاريخ السودان الحديث يدرك تماما أن مصير مثل هذه الاتفاقات “الهشة” غالبا مايؤول إلى الفشل وعودة العسكر مجددا للاستفراد بالسلطة وإبعاد النخب المدنية عن الحكم بل وزجهم بالسجون والمعتقلات كما حدث في عهدي النميري والبشير على سبيل المثال.
والثابت أن السبب الحقيقي يرجع إلى تحكم العسكر ومنذ عهد الاستقلال في جميع مفاصل الدولة وتحكمهم بمصير السودان وقدرتهم على التلون السياسي حتى في أضعف حالاتهم كما حدث في سوابق كثيرة.
والآن يبدو أن الآمال معلقة خاصة من قوى إقليمية عربية وأفريقية على نجاح الاتفاق السياسي الجديد الذي ينص على تأسيس مجلس سيادي تبلغ مدته أكثر من 3 سنوات لفترة انتقالية تسبق تسليم السلطة للحكم المدني ويتألف من 11عضوا خمسة منهم يختارهم المجلس العسكري وخمسة آخرين يختارهم بالمقابل تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير والذي قاد المسيرات الحاشدة ضد الرئيس المخلوع البشير وعضو مدني واحد يتم الاتفاق عليه بالتراضي بين الطرفين.
والنجاح بكل تأكيد يرتبط بشكل مباشر بحقيقة نوايا المجلس العسكري في التحول الديمقراطي وهي محل شك كبير وخاصة أن الجيش سيتولى أول 21 شهرا من الفترة الانتقالية بينما سيتولي المدنيون الرئاسة في فترة أقل هي 18 شهرا تمثل المدة المتبقية من عمر المجلس السيادي.
فالجيش السوداني عرف عنه نكث الوعود دائما والانقلاب على الحكم المدني وهذا ماحدث مع أول حكومة مدنية قادها زعيم حزب الأمة الصادق المهدي عام 1986 ولم تستمر سوى 3 سنوات عندما سقطت بفعل انقلاب العسكر في 1989.
ويبدو أن المعاناة مرشحة للاستمرار هذه المرة فمدة الاتفاق للمجلس السيادي تبدو طويلة(ثلاث سنوات) وهي قابلة لحدوث كل السيناريوهات خلالها وخاصة مع معاناة الشعب السوداني من أوضاع اقتصادية سيئة وميزانية مثقلة بالديون وازدياد معدلات التضخم والفقر في البلاد والمعاناة من تبعات انفصال الجنوب السوداني عن الوطن الأم.
فالعودة للعنف وارد بشدة ووقوع قتلى وجرحى أمر لايمكن استبعاد تكراره أيضا وهو ماشهدناه طوال الأشهر الثلاثة الماضية التي راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى في اشتباكات دموية بين الجيش والمتظاهرين من المدنيين ولايبدو أن وقوع مثل هذا السيناريو قد لايتكرر وهو مايحذر منه كثير من أقطاب المعارضة ممن عارضوا الاتفاق الحالي.
إن المستقبل غالبا مايبدو مجهولا في السودان ويميل دائما نحو هيمنة الجيش على السلطة وهو مصير لايرغب العديد في أن يتكرر ،فالشعب السوداني يستحق الأفضل بدون شك ويستحق أن ينال حريته في نهاية الأمر ورؤية حكومة مدنية ديمقراطية حقيقية تقود البلاد في القرن الحادي والعشرين.

ماجد العصفور
صحيفة الوطن

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock