مقالات وآراء

مزمل أبو القاسم يكتب : حظر النهب قبل حظر النشر

د. مزمل أبو القاسم
للعطر افتضاح – اليوم التالي

*ملاحقة المفسدين وضبط من تعدوا على المال العام، وسطوا على مُقدَّرات الدولة ينبغي أن لا ترتبط بتكوين الحكومة الجديدة، وأن لا تنتظر محصلة المفاوضات التي تجري بين المجلس العسكري والحرية والتغيير.

*انكشف غطاء الفاسدين، وسقط درعهم الواقي بسقوط النظام البائد، وبات واجباً على الأجهزة العدلية أن تمارس مهامها من فورها، لأن العدالة لا تنتظر، وإحقاق الحق لا يحتمل التلكؤ.

*إن أسوأ ملمح عاب عهد الإنقاذ تمثل في الاستهانة بالحق العام، وإهمال حراسته، والتفريط فيه لمصلحة نافذين اتخذوا منه مرتعاً، وأشبعوه نهباً وسلباً، حتى أفقروا البلاد وضيقوا على العباد.

*كتبنا في هذه المساحة كثيراً ﻋﻦ ﻗﻀﺎﻳﺎ (ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻌﺎﻡ)، وذكرنا أن الحقوق الخاصة ﻣﺤﺮﻭسة في بلادنا ﺑﺄﻫلها، ﺍﻟﺬﻳﻦ يلاحقونها ﻓﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺩﺭﺟﺎﺕ ﺍﻟﺘﻘﺎﺿﻲ، ﻭﺃﻛﺪﻧﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻌﺎﻡ، ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺠﺪ ﻣﻦ ﻳصونها ويلاحق ﺍﻟﻤﺘﻮﺭﻃﻴﻦ ﻓﻴﻬﺎ.

*الذي تُسرق منه معزة أو نعجة يشكو السارق إلى الشرطة، ويتابع قضيته في النيابة، ويوصلها إلى القضاء، ويستأنف الحكم الصادر فيها حتى المحكمة العليا إذا أحس أنه غير منصف له.

*أما من يسرقون قوت الشعب، ويستولون على المال العام بالمناقصات المضروبة والعطاءات الفاسدة، وعقود الأمر المباشر، وينهبون ترليونات البنوك بالمرابحات الصورية، ويتلاعبون بصفقات الوقود والقمح والدواء والتقاوى والأسمدة والمبيدات فلا يسألهم أحد، ولا تلاحقهم الجهات المنوطة بحراسة الحق العام.

*نامت نواطير السودان عن حراسة الحق العام، فشعبت منه الثعالب حتى فنيت العناقيد، وأفلست خزائن البلاد.

*ﺤﺪﺙ ﺫﻟﻚ ﻣﻊ ﺃﻥ قوانين ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ منحت ديوان ﺍﻟﻤﺮﺍجعة القومي ﺍﻟﻌﺎﻡ صلاحية ﺗﺪﻗﻴﻖ ﻭﺗﻔﺘﻴﺶ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ، فأدى مراجعوه مهامهم بمنتهى التجرد، وﻇﻠﻮﺍ ﻣﺜﺎﻻً ﻟﻠﻨﺰﺍﻫﺔ ﻭﺍﻟﺤﺮﺹ ﻋﻠﻰ ﻛﺸﻒ ﺃﻱ ﺗﻌﺪ ﻳﺤﺪﺙ ﻟﻠﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻡ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺗﻤﺜﻠﺖ ﻓﻲ إهمال ملاحقة ﺍﻟسارقين.

*ﻗﺒﻞ ﺇﻗﺮﺍﺭ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻟﻠﻌﺎﻡ 1991، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻱ في قضايا المال العام يتم بوساطة القضاة وليس الشرطة ولا النيابة، وﻛﺎﻥ ﺃﻱ ﺑﻼﻍ ﻳُﺮﻓﻊ ﻓﻲ ﻗﻀﻴﺔ ﺣﻖ ﻋﺎﻡ (ﻣﺜﻞ ﺍﻻﺧﺘﻼﺱ ﻭﺍﺳﺘﻐﻼﻝ ﺍﻟﻨﻔﻮﺫ ﻭﻏﻴﺮﻫﻤﺎ) ﻳﺄﺧﺬ ﻃﺮﻳﻘﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺑﻼ ﺇﺑﻄﺎﺀ، وﻛﺎﻥ ﺃﻱ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﻟﻠﻤﺮﺍﺟﻊ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺍﺗﻬﺎﻣﺎً ﻟﻤﻮﻇﻒ ﻋﺎﻡ ﻳﺤﺎﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓً، ﻭﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﺒﻊ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﻤﺘﻬﻤون ﺗﺠﺮﺅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻟﺤﻤﺎﻳﺘﻬﻢ، ﻷﻥ ﺫﻟﻚ ﻳﻌﺮﺿﻬﺎ ﻫﻲ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻟﻠﻤﺴﺎﺀﻟﺔ .

*ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﺟﻴﺰ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ للعام 1991 ﺗﻢ ﺗﺤﻮﻳﻞ ﺴﻠﻄﺔ التحري ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ، ﻭﻓﺘﺢ ﺫﻟﻚ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﺑﺎً ﻟﺤﻔﻆ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﻣﻠﻔﺎﺕ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ، ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺗﺒﻠﻎ ﺭﺩﻫﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ، وجاءت كارثة التحلل لتقضي على ما تبقى من هيبة القانون، وتجعل المال العام مستباحاً للصوص وضعاف النفوس.

*أسوأ من ذلك أن بعض من شغلوا منصب وزير العدل أساءوا استخدام مادة أباحت لهم سحب بعض القضايا من النيابة، إذا حوت ما يضر بالأمن القومي، ومن ذلك الباب الضيق هرب العديد من لصوص الحق العام.

*فجرت الصحافة المئات من قضايا الفساد، ووردت أضعافها في تقارير المراجع العام، لكنها ماتت كلها في مهدها، وتم دفنها في طور التحري، إما تواطؤاً، أو بموجب مادة التحلل التي خصصت لتطبيق قانون المرأة المخزومية على كبار اللصوص لمساعدتهم على تجنب العقاب.

*مطلوب من نيابة مكافحة الفساد والتحقيقات المالية أن تباشر أعمالها من فورها، وأن لا يشغل وكيلها (مولانا ياسر بخاري) نفسه بحظر النشر، بقدر ما يهتم بحظر السرقة، ومنع النهب، ووقف التعدي على مال الشعب، وإحالة كبار اللصوص إلى المحاكم.. على الفور.

*أولى بركات الثورة ينبغي أن تتنزل على نيابة مكافحة الفساد.. فهل تفعل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock