مقالات وآراء

مزمل أبو القاسم يكتب : بين الثورية والتغيير

د. مزمل أبو القاسم
للعطر افتضاح

*في الظاهر، يبدو النزاع الناشب بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، صراعاً على السلطة في مستواها السيادي، لكن جوهر الخلاف يكمن في اختلاف الرؤى حول مطلوبات المرحلة الانتقالية، والأسلوب الذي ينبغي أن تُحكم به.

*تريد قوى التغيير للمرحلة الانتقالية أن تُدار بنهجٍ ثوريٍّ، يضمن تحقيق أهداف الثورة بالخطوة السريعة، بينما يرغب المجلس في إنجاز عملية تغيير هادئة ومتدرجة، عبَّر عنها الفريق ياسر العطا خلال لقاء المجلس بالمكونات السياسية الأخرى في قاعة الصداقة، عندما ذكر أنهم لا يريدون تكرار سيناريو (الصالح العام) الذي طبقته الإنقاذ في سنواتها الأولى.

*الفارق بين (الثورية) و(التغيير) هو الذي يفصل قُوى الحرية عن المجلس العسكري حالياً.

*لسبر أغوار النزاع الحالي لابد من اصطحاب حقيقة مهمة، مفادها أن غالب أعضاء المجلس العسكري كانوا أعضاءً في اللجنة الأمنية التابعة للنظام المقبور، وطبيعي أن لا تتقبل نفوسهم هدم كل ما سبق بغتةً، طالما أنهم كانوا شركاء فيه.

*ذلك يفسر لنا مسببات التراخي في توقيف عدد من قادة النظام السابق، ومسوغات ترك غالب مؤسسات الدولة العميقة على حالها، ومن أبرزها جهاز الأمن الذي بقي بذات هياكله، ونفس صلاحياته القديمة.

*رفض المجلس العسكري إلغاء المواد التي تمنح الجهاز صلاحياتٍ مقيدة للحريات، وعللَّ الخطوة بأن الأمن محكوم بقانون خاص، لا يزال سارياً حتى اللحظة، وأن إعادة الهيكلة لابد أن تتم بروية، كي لا يتكرر بها خطأ حل الجهاز بعد سقوط مظام النميري.

*ذات المبرر ردده الفريق أول عمر زين العابدين، الرئيس السابق للجنة السياسية في معرض رده على سؤال عن مصير قوات الدفاع الشعبي، إذ أعلن رفضهم حلها، بادعاء أنها قوات نظامية تم تكوينها بموجب القانون.

*إقدام المجلس العسكري على تعطيل العمل بالدستور (الذي يحكم كل القوانين) ينسف الحُجج التي بررَّ بها المجلس عدم تجميده للمواد المعيبة في قانون الأمن، كما ينقض المبررات التي استخدمها المجلس كي لا يقدم على حل الدفاع الشعبي، برغم صبغته الحزبية الطاغية.

*أكبر مشكلة تواجه المجلس العسكري حالياً تنحصر في عدم تناسب أقواله مع أفعاله، إذ أنه ظل يتحدث باستمرار عن عدم رغبته في احتكار السلطة وزهده فيها، مع أن أفعاله لا تدل على ذلك مطلقاً.

*مطلوب من المجلس الإجابة عن سؤال كبير ومهم مفاده: هل يُعدُّ ما جرى في السودان مؤخراً ثورةً شعبية أم انقلاباً على نظام الإنقاذ؟

*إذا كان الرد ثورة، فللثورة مطلوباتها وأهدافها، وأبرزها إسناد مستويات الحكم الثلاثة إلى مدنيين، بمشاركة محدودة للمؤسسة العسكرية في المستوى السيادي.

*وإذا كانت الإجابة (انقلاباً) فعلى المجلس أن يمضي في طريق احتكار السلطة حتى النهاية، ويشرع في تكوين الحكومة والمجلس التشريعي الانتقالي، ويتحمل تبعات اختياره وعواقبه الكارثية على البلاد.

*علماً أن رئيس المجلس، تولى الإجابة عن السؤال أعلاه مسبقاً، عندما ذكر أن ما تمَّ ثورة شعبية وليس انقلاباً، وبالتالي أصبح ملزماً مع رفاقه بتلبية كل استحقاقات الثورة، وبأعجل ما تيسر، وإلا عُدَّ فعلهم انقلاباً على الثورة نفسها.. قبل الإنقاذ.

اليوم التالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock