مقالات وآراء

هنادي الصديق تكتب المتاهة مرة اخرى

تداولت الوسائط بشكل مبالغ فيه الأيام الفائتة قضايا (تتقيأ) فساداً، ورغم ذلك، ورغم الشروع في إنشاء ما تسمى بمفوضية مكافحة الفساد إلا أن كل ما يتم تناوله وتداوله يظل حبراً على ورق وبوستاً ينتهى بانتهاء اللايكات. ما يعني أن المتاهة بلا نهاية.
وحتى لا نكون ممن يطلقون الأحاديث على عواهنها، فلا بد وأن نستدل بالتصريح الذي ذكرته لجنة التشريع والعدل بالمجلس الوطني، بأنها تنتظر الكيفية التي سيتم بها تأسيس مفوضية مكافحة الفساد التي أعلن عنها رئيس الجمهورية المشير عمر البشير، وأشارت إلى أن البرلمان لم يجد مصوغاً لتعديل مادة التحلل من خلال النظر في قانون الثراء الحرام كونها مادة وضعت لمعالجة القضايا التي لا توجد لها بينات كافية للإدانة.
هذا الحديث المخيف من الجهة التشريعية الأولى بالدولة يعني إقراراً ضمنياً بالسير في اتجاه اللاعودة بالوقوف خلف من امتهنوا استغلال المواطن البسيط، ونهب المال العام بلا رحمة، بعد أن عبدوا لهم الطريق بتضمين ما يسمى بفقه (التحلل) فمسألة عدم اكتمال الأدلة ليست مبرراً للتخلي عن الحق العام.
فإن كانت لجنة التشريع بالبرلمان قد أقرت بشكل غير مباشر بأهمية وجود مادة التحلل في قانون الثراء الحرام لمعالجة القضايا التي لا توجد لها بينات كافية للإدانة، فهذا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن البرلمان هو الوجه الآخر للحكومة، ماذا نسمي إذن اعتراف السارق وإعادته للمال المسروق تحت مسمى التحلل؟؟
أليس ذلك (إدانة) واضحة تستوجب إعمال القانون؟! أم إنه وبشكل غير مباشر يعتبر حصانة مقننة للسارق، وحماية للفساد بكافة أشكاله وحماية لمن لا يجوز أن يكون في موضع الشبهات حتى وإن كُتب على جبينه (حرامي).
تقنين الفساد وإتلاف مؤسسات الدولة بهذا الشكل يؤكد شيئاً واحداً فقط لا ثاني له، وهو أننا بتنا ننظر لما يحدث لبلادنا من نهب وتدمير بعين الرضا، ولا نجيد مقابل ذلك سوى (لطم الخدود وشق الجيوب) دون أن يكون لنا دور في إيقاف هذا العبث والتواطؤ على المواطن.
معروف أن البيَنة متى ما توفرت إما أن تتم تبرئة المتهم في حال كانت ضعيفة أو أن تتم محاكمته إذا ما ثبتت إدانته، ولكن مادة (التحلل) تعطي الفرصة للتلاعب بالقانون لصالح جهات بعينها ولأفراد يعتبرون (منطقة محظورة) مهما ارتكبوا من جرائم فهذا هو (عين) الفساد وأذنه وأنفه كمان.
مجرد إنشاء مفوضية لمكافحة الفساد فهذا يعني أن الفساد استشري وأزكمت رائحته الأنوف، ورغم ذلك تظل هذه المفوضية عبئاً إضافي على ميزانية الدولة دون أن يكون لها دور واضح في كشف الفساد والمفسدين وتقديمهم للعدالة، وتظل أيضاً مجرد مفوضية (للملمة) عناصر لم يستوعبها التشكيل الجديد في المؤسسات الحكومية ولنا في التجارب السابقة أسوة حسنة.
ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية ولكنه يصعب عليهم تفعيلها، لأنها بلا شك ستجعل أرتالاً من الفاسدين يسيرون بساق واحدة ويدٍ واحدة، قضايا فساد كثيرة معلنة، وقضايا فيها شبهة فساد تم التستر عليها، المدينة الرياضية خير مثال، (بيع) ولن نقل سرقة أراضي ولاية الخرطوم التي صرح بها والي الخرطوم السابق في تصريحه المألوف (الحتات كلها باعوها) أيضاً مثال، مشروع سندس، مشروع الجزيرة، شركة الأقطان، سودانير، الخطوط البحرية السودانية، سكك حديد السودان، خط هيثرو، عقارات السودان بلندن، وغيرها من عشرات القضايا ظلت عالقة أمام التحقيق والعدالة لسنوات، وبالجانب الآخر ما زالت عالقة في ذهن المواطن بكل بؤسها وقبحها دون أن ننتظر رداً على الأسئلة التي أنهكت ذهن المواطن.
كشف الفساد وتعرية الفاسدين، لا يحتاج لمفوضية وميزانية إضافية تنهك كاهل الدولة والمواطن، تحتاج فقط (مخافة الخالق أكثر من مخافة المخلوق).
الجريدة

بواسطة
الكاتبة هنادي الصديق
المصدر
الجريدة

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى