مقالات وآراء

عبد اللطيف البوني يكتب : ليس هناك ضربة قاضية لتغيير الأوضاع (الحالة اختلفت)

د. عبد اللطيف البوني

(1)
التاريخ لا يكرر نفسه مثلما أن النهر لا يجري في ذات المجرى مرتين، فأي تغيير ولو بمليمتر واحد وأي مضيٍّ للزمن ولو بثانية واحدة، يُغيِّر من طبيعة الشيء. ولعل هذا من البديهيات. وأكد ذلك علم الفيزياء الذي يقول إن أي تغيير كمي يفضي إلى تغيير نوعي، فالكم ليس ثابتا بحسب نسبية آينشتاين؛ ولكن هذا لا يقلل من أهمية التاريخ، فهو علم العلوم لأنه يتعامل مع التجربة الإنسانية، ومنه يستلخص الناس الدروس والعبر، وبالتالي تحديد المسار. وهذه خاصية ميز الله بها الإنسان دون سائر المخلوقات، فهو الوحيد الذي له ذاكرة، فالأفيال والأسود والتماسيح ومخلوقات كثيرة غيرها أقوى من الإنسان، ولكن ليس لها ذاكرة، لذلك أصبحت تحت سيطرة الإنسان، فبالذاكرة كانت عملية التسخير (يبدو أننا أسرفنا في التنظير فماذا نريد أن نقول؟).
(2)
أردنا بالرمية أعلاه التوسل إلى القول إن الذين قالوا أن هبة (ديسمبر/ يناير/ فبراير/ مارس) والمتواصلة إلى يوم الناس هذا عبارة عن تكرار لتجربتي هبة أكتوبر 1964 وأبريل 1985 متناسين الظروف التي اندلعت فيها الهبة، وهي دون شك مختلفة عن الهبتين السابقتين، وإن اجتمعت الهبات الثلاث على أنها هبات شعبية سعت لتغيير سياسي يوفر الحرية والمساواة والعدالة، ولكنها ليست هبات متطابقة، ولكل واحدة منها ظروفها المختلفة، لا بل حتى مكونات الثورة مختلفة، ومكونات النظام المراد تغييره مختلفة، فأكتوبر غير أبريل، فلو أخذنا رأسي النظام في الحكومتين نجدهما مختلفين. ودون التقليل من الجهد الشعبي المبذول في الهبتين، يمكنني أن أزعم أن طيبة الفريق عبود لها القدح المعلى في نجاح أكتوبر، نعم طيبة عبود وزهده في السلطة، لا بل وعدم تمتعه بها. ويمكنني أن أزعم أن غياب الرئيس نميري في أمريكا كان من أهم أسباب نجاح ابريل. هذا ليس تفسيرا سايكولوجيا للتاريخ وإن كان هذا التفسير مطلوبا، لكن وقائع الهبتين أثبتت ذلك، فلو أراد عبود الاستمرار في الحكم لفترة أخرى لفعل، ولو عاد النميري في اول أبريل لما كان سوار الذهب.
(3)
إذن يا جماعة الخير، هبة ديسمبر الحالية مختلفة، لا بل مختلفة جدا، ويكفينا هنا الإشارة فقط لمدتها الطويلة, ثلاثة أشهر وفي الطريق للرابع، ففي هذه الشهور تغيرت مكونات الثورة، وتغيرت صورتها وتغيرت مفرداتها، مع الإبقاء على هدفها، وهو اقتلاع النظام، وكردة فعل تغير النظام المراد، خلعه وتغيرت سياسته تجاه الثوار، وتغيرت سياسته الداخلية والخارجية، ويسعى جاهدا لإيجاد (نيولوك)، بالطبع مع الإبقاء على هدفه، وهو الاستمرار في السلطة الذي تأكد الآن أنه ليس هناك ضربة قاضية لتغيير الأوضاع، إنما سوف تحسم النتيجة بالنقاط، وهذا يمهد للفورة المليونية ففي الطريق للمليون هذا، تسقط أشياء وتظهر أشياء، فحالة الصيرورة هذه ليست حالة محايدة، إنما حالة مكتظة بالمتغيرات. فهذه الحالة لو شبهناها بحالة حمل هي التي سوف تتحكم في شكل ومحتوى المولود القادم. عليه يمكننا أن نصل إلى القول إن هذه الهبة لو كانت عمرها أسبوع وانتهت بالقاضية لكان شكل الناتج مختلفا، ولكن وبما أنها أصبحت بالنقاط فالأمر اختلف، فمن هنا يجب أن نبدأ ودعونا ندعو ونعمل ونأمل أن تنتهي الأمور بما يحفظ السودان ويجعله علما بين الأمم.

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى