مقالات وآراء

عبد اللطيف البوني يكتب : المضمون قبل الشكل

(1)
الحركة السياسية عامة تمر بحالة سيولة ومن غير المعروف أن تتحول هذه السيولة إلى حالة غازية فيتبخر كل شيء أو تتحول إلى حالة صلابة فتمشي الأمور إلى الأمام ولو ببطء شديد، فالباب مفتوح لكل الاحتمالات، ولا شك أن هذه الحالة من عدم اليقين ليست من مصلحة البلاد ولا العباد، لأنها مؤشر لعدم الاستقرار، فخطاب السيد رئيس الجمهورية في الجمعة الأخيرة من فبراير المنصرم كان حجرا في تلك البركة غير الساكنة فتعرَّض لعدة أفهام، ولكن تنازله عن مباشرة رئاسة الحزب وتفويض السيد أحمد هارون يمكن اعتباره خطوة في اتجاه الوقوف على مسافة واحدة من كل القوى السياسية وإن كان البعض يرى أن التفويض ليس كافيا إنما المطلوب هو إعلان التخلي النهائي، وعليه تظل حالة الإرباك قائمة في المشهد السياسي.
(2)
إن حالة السيولة وحالة الإرباك انعكست على حزب المؤتمر الوطني الحاكم, أم نقول كان حاكما؟ الذي يشعر في بعض مكوناته أن في الذي حدث انقلابا أبيض فرض عليه تحديا جديدا وهو أن يخرج من الحكومة ومن النادي الكاثوليكي ويبدأ دورة سياسية جديدة، وهذا أفضل له من أن يظل في الحكومة فيسقطها ويسقط معها, ليس هذا هو التحدي الوحيد أمام هذا الحزب الذي يعتبر آخر اسم من أسماء الحركة الإسلامية، أي وريثها الأكبر، فالمطلوب منه أن يعمل على إعادة كل الذين خرجوا عنه فقد شهد هذا الحزب وهو في السلطة بقلة أوكسجين جعلته يضيق بالرأي الآخر في صفوفه، فلفظ الكثير من عناصره الفاعلة فأصبحت الحركة الإسلامية مبعثرة في تكوينات كثيرة وفي أفراد معتزلين، لذلك يرى البعض من أعضاء الحزب ضرورة ميلاد جديد تدخل بموجبه الحركة الإسلامية في دورة حياة جديدة، هذا إذا سارت الأمور على ما هي عليه الآن حيث تعيش البلاد فترة انتقالية وليست بالضرورة حكومة انتقالية كاملة الدسم.
(3)
في تقديري أن هذا الحزب، أو إن شئت قل الحركة الإسلامية، تحتاج إلى مراجعة فكرية قبل أن تكون محتاجة إلى مراجعة تنظيمية فتجربة الثلاثين عاما صنعت واقعا جديدا وهي تجربة تولى كبرها هذا الحزب، فعليه أن يقيم تجربة الحكم باسم الدين هل أضرت بالدين أم نفعته؟ هل نجحت الحركة في الحكم أم فشلت؟ هل تطور التفكير لدى الإسلاميين ووصل مرحلة الدولة المدنية أي تجريد الدولة من أي حمولة أيدولوجية لتقف على مسافة واحدة من كل الأحزاب؟ إذا كان وقوف الرئيس على مسافة واحدة من الكل فلماذا لا تكون الدولة بذات الموقف؟ هل شكل علاقة الدين بالدولة والتي بموجبها حكم الحزب تحتاج إلى مراجعة؟ نطرح هذه الأسئلة ونحن نشاهد إعجابا كبيرا وسط الإسلاميين بالغنوشية النسبة لراشد الغنوشي لا سيما وهم يتعبرون أن تجربة الغنوشي (بنتهم) الشرعية. إذا تجرأ هذا الحزب وقام بمراجعة فكرية عميقة سوف ينعكس ذلك على كثير من أوجه الحياة السياسية في البلاد لأنها تفتح الباب لمراجعات قومية كبيرة وتفتح الفرصة لإجراء مساومة تاريخية توضع فيها كل بلاوي البلاد من عنصرية وقبلية وجهوية وطائفية وتنموية على طاولة التشريح وتضمد كل جروح البلاد بعد نظافتها، إلا سوف يتواصل العمل برزق اليوم باليوم وتضمد الجروح دون نظافة وإن شئت التخفيف قل (تمشط العروس بقملها).

د. عبد اللطيف البوني
السوداني

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى