مقالات وآراء

محمد خير يكتب : رئيس الوزراء.. المنصب المحرقة

تقول إحدى الأساطير الإغريقية القديمة، إن امرأة تُسمَّى ميدوزا كان لها عينان ساحرتان إذا نظرت بهما لأي شيء تحول إلى حجر. استخدم بدر شاكر السياب هذه الأسطورة في قصيدته (غريب على الخليج): “كعيون ميدوزا تحجر كل قلب بالضغينة”.
ما يعادل عيون ميدوزا في السياسة السودانية المعاصرة هو منصب رئيس الوزراء الذي استُحدث بعد الحوار الوطني، وأُسند للفريق بكري حسن صالح ذلك الرجل الذي كان يتخبأ طوال سنوات الإنقاذ داخل غموض مستطاب، قليل الكلام، نافر من الضوء شيمته الظلال وطابعه الغموض.
سددت ميدوزا نظرة لحكومة بكري، واختارت من معاونيه الدكتور الركابي، فتسمر وانسدت آفاق الاقتصاد واستحكمت الأزمة، وبدأت الأسعار رحلة التحليق فوق السماوات العالية، وهي الآن تُشارف الطباق الأخير.
خرج الرجل الصموت للبرلمان، وأعلن أن خزانة الدولة عاجزة عن تسديد ثمن شحنة نفط كانت تتجول في البحر كي تبدَّد صفوف محطات الوقود. لم يكن ذلك التصريح يُناسب حالة الغموض التاريخي الذي كان يسم بكري، فقد كان الناس يتوقّعون من حكومته حلولاً على مستوى غموضه وصمته؛ لكن ميدوزا حولت منصب رئيس الوزراء لمحرقة.
جاء معتز، وهذه مناسبة لأذكر أنني أول كاتب عمود أشاد بمعتز قبل عشر سنوات، حينما كان مسؤولاً عادياً بسد مروي فقد بهرني في محاضرة له بدبي حول السدود والخزانات، ونبع انبهاري حين عرفت منه أنه ليس مهندساً.
لمعتز نوابض واقتدارات وسيرة باهرة وبساطة وعفة وإحساس مُتعاظم بالآخرين، وفوق ذلك يُجسِّد الصورة المثلي للأخ المسلم (عندما كان شريفا).
ولأنه كبير القلب وطيب النوايا، اتجه لعقد اتفاق أخلاقي مع عصابات السوق الأسود، كي يلجم الدولار ويعيد للعملة الوطنية بعضاً من الكبرياء. لكن رجالات السوق الأسود كانوا أوفياء لطبائعهم الفطرية وأخلاق مهنتهم المنعقدة على المكر والخسة، فصعد الدولار مُقلعاً بكل أمانينا. تجمَّعت كُلُّ الصقور مستدعية بغاث الطير والجوارح منها والكواسر وحولوا معتز لعصفور (يغرد)!
والآن جاء دور إيلا وميدوزا توسع نطراتها. إيلا المعروف باليد الخضراء والأفكار الدائمة الخضرة يتقدم نحو هذا المنصب الذي تحوَّل لمحرقة للرجال. محرقة للصمت العبقري سمة بكري وللعفة والزهد خصلتا معتز. يتقدم إيلا والدولار يزغرد وعصابات السوق الأسود تتهيأ لمعركة جديدة، والأزمة السياسية تبلغ مداها الأقصى، والسودان أكبر عناوين نشرات الأخبار، والتوتر طابع الحياة، والسديم أفق المرحلة والشك أصبح منهجياً.

السوداني

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى