مقالات وآراء

د. الشفيع خضر سعيد يكتب المقاومة الشعبية وحرب السودان

في المقالات الثلاثة السابقة، تقدمنا بمناشدتين واقتراحين حول تطورات الحرب المشتعلة في السودان. المناشدة الأولى كانت دعوة لكل من تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية «تقدم» والقوى المدنية الأخرى خارج التنسيقية، لتشكيل لجنة تحضيرية مشتركة تباشر التحضير السياسي والإجرائي لمؤتمر جامع للقوى السياسية والمدنية، يعقد في أسرع وقت ممكن.
وفي حال تعزر عقد هذا المؤتمر لأي سبب من الأسباب، اقترحنا أن تبادر أي من مكونات القوى المدنية، «تقدم» الجبهة النقابية، لجان المقاومة، المجموعات المدنية خارج «تقدم» وكذلك ضباط القوات النظامية المعاشيين، تبادر وتدعو لتشكيل مجموعة عمل تتوافق حول رؤية لوقف الحرب وتذهب بها إلى لقاءات مباشرة مع طرفي القتال والمجتمع الدولي والإقليمي. ووجهنا المناشدة الثانية إلى اللجنة الثلاثية رفيعة المستوى التي شكلها الاتحاد الأفريقي لتسوية الصراع الدائر في السودان، ملتمسين منها تكثيف جهودها لتوحيد المبادرات الإقليمية والدولية وتجميعها في منبر واحد. أما اقتراحنا الثاني، فوجهناه إلى القوى المدنية السودانية، وهو يتعلق بدعوات الاستنفار والمقاومة الشعبية، حيث رغم أننا أقرينا بموضوعية هذه الدعوات، إلا أننا فصلنا في اختلالاتها وخطورتها على السلم ووحدة البلاد، ونادينا برفض تسليح المدنيين، وقلنا إن من واجب القوى المدنية السودانية أن تضع ضمن أولويات أجندتها، كيفية التعامل مع هذه الظاهرة. وفي مقال اليوم سنتقدم ببعض النقاط التي نقترح تضمينها في خطط القوى المدنية حول هذه الكيفية.
النقطة الأولى والرئيسية، هي وحدة القوى المدنية وتوافقها حول رؤية موحدة لوقف الحرب وحول العملية السياسية، وقد ناقشنا ذلك بالتفصيل في عدة مقالات سابقة. هذه الوحدة وهذه الرؤية الموحدة، سترسلان إشارات موجبة وتحفيزية لانتظام مقاومة شعبية سلمية ضد الحرب، بينما التشظي وصراعات القوى المدنية سترسل إشارات سالبة وتسدل ستائر الإحباط والتشكيك في جدوى المقاومة السلمية.
النقطة الثانية، تقديم خطاب إعلامي، موجه أساسا للشباب، يفضح ويدين بقوة انتهاكات وممارسات قوات الدعم السريع، ولكنه يرفض هوس التسليح والدعوة لتكوين المقاومة الشعبية المسلحة باعتبار أن هذه الدعوة ستصب في توسيع نطاق الحرب إلى حرب أهلية شاملة، ودائما ما ستكون بوصلتها القتل على أساس الهوية أو الانتماء السياسي، وغالبا ما تكون نتيجتها تقسيم البلاد وتفتيت وحدتها. فسيناريو المقاومة الشعبية المسلحة، سيدخل البلاد في حالة عنف ونزاع عرقي لسنوات، وربما لعقود، من جراء الهجمات المضادة التي لا نهاية لها، وعمليات
القتل الانتقامية والتكتيكات اللاإنسانية، مثل التفجيرات الانتحارية واغتيالات المدنيين المزعومين المتعاونين، وهؤلاء غالبا جلهم من الأبرياء.
النقطة الثالثة، الخطاب الإعلامي وحده غير كاف، ولا بد أن تتبعه خطوات عملية عبر التواصل المباشر مع القيادات الدينية والزعامات الأهلية والمجموعات الشبابية داخل البلاد، وتنبيههم لخطورة سياسات تسليح المدنيين وتنظيمهم في مجموعات مسلحة مستقلة عن الجيش والقوات النظامية. بالطبع، من حق الجيش، وكذلك القوات النظامية الأخرى، فتح باب التجنيد لزيادة ودعم قدراته من الأفراد، لكن أن تنشأ قوات لا تخضع لضوابط وقيادة الجيش النظامي، فهذه دعوة لاستمرار تجربة تعدد الجيوش، كما أن جرعات التدريب والتأهيل لهذه القوات يرمي بها في التهلكة، إضافة إلى إمكانية استخدامها في الصراع السياسي.

يجب تقديم خطاب إعلامي، موجه أساسا للشباب، يفضح ويدين بقوة انتهاكات وممارسات قوات الدعم السريع، ولكنه يرفض هوس التسليح والدعوة لتكوين المقاومة الشعبية المسلحة

النقطة الرابعة، شعب السودان، وتحديدا الشباب، يتمتع بعزيمة وإرادة قوية، وقدر من الخيال، يمكنه من ابتداع سيناريوهات متنوعة للمقاومة الشعبية السلمية. ومثلما كان ذلك ديدنه في الانتفاضات والهبات ضد الديكتاتوريات، في أكتوبر/تشرين الأول 1964، وأبريل/نيسان 1985، وديسمبر/كانون الأول 2018، وأبريل/نيسان 2019، وعقب انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، فهو أيضا قادر على ابتداعها ضد الحرب. وعمليا فعل ذلك، كما جاء في تجربة المقاومة الشعبية السلمية في إحدى القرى في منطقة احتلتها قوات الدعم السريع مؤخرا. ولنترك التجربة تتحدث على لسان أحد أصحابها: «فور أن سمعنا بتحرك قوات الدعم السريع نحو قريتنا، جمعنا كل سكان القرية وانتخبنا لجنة لقيادة العمل، بدأت بإجراء حصر سريع، ولكن دقيق، لكل سكان القرية يشمل عدد أفراد الأسرة، أعداد النازحين، الفئات العمرية، الأطفال والنساء الحوامل، مصدر دخل الأسرة، أبناء القرية المغتربين، أصحاب الأمراض المزمنة…الخ. ومع وصول قوة من الدعم السريع إلى مشارف القرية وجدوا كل السكان في مواجهتهم وقلنا لهم لن تدخلوا هذه القرية إلا فوق جثثنا. وفضلنا جميعا مرابطين في مدخل القرية إلى أن تراجعت القوة. ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن، لم يحاولوا دخول القرية، وأصلا كان غرضهم النهب. وحاولوا وضع ارتكاز في مدخل القرية فرفضنا ذلك بشدة. ثم قسمنا سكان القرية، بالتركيز على الشباب، إلى ثلاث لجان: لجنة الصحة، من الكادر الطبي في القرية، وبدأت بتجهيز مكان كطوارئ طبية، وتبرع السكان بالأسرة والمفارش، وتوجهنا إلى المغتربين والتجار والميسورين لتوفير الدواء، ووضعنا أسعار رمزية للفحص، وبالمجان للأسر الضعيفة، والأدوية تباع للقادر ومجانا لغير القادر. لجنة الحماية، ونصبت خياما في كل منافذ القرية، يرابط فيها الشباب لسد المنافذ، وتقام فيها منتديات ثقافية. لجنة الإعاشة، لتوفير السلع والمواد الغذائية من قمح وذرة ولوبيا وعدس وفول مصري. كما شجعنا الأسر على زراعة الخضروات في البيوت. رفضنا رفضا باتا أي دعم عيني أو أدوية من الدعم السريع، وحاولوا البيع فقلنا لهم لن نشتري بضائع منهوبة. أي شخص طالب بحمل السلاح، قلنا له من حقك أن تذهب وتقاتل في أرض المعركة ولكن ليس في القرية، وإذا كررت دعاوى حمل السلاح سنطردك من القرية». هذه التجربة جاءت في رسالة وصلتنا بالبريد الإلكتروني، تعليقا على مقالاتنا حول الاستنفار وتسليح المدنيين، وتعضيدا لمفهوم المقاومة الشعبية السلمية ضد الحرب. ونمسك عن ذكر اسم صاحبها واسم القرية، لأننا، وبسبب توقف خدمات التواصل في السودان، لم نتمكن من التواصل معه وطلب الإذن بنشر الأسماء. لكن، هذه التجربة تستحق التوقف عندها.

القدس العربي

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى