مقالات وآراء

آلة الحرب تحصد ما تبقى من مقدرات السودان

د. أميرة محمد عبدالحليم *
مع مرور أكثر من تسعة أشهر على الصراع في السودان، في ظل جهود خارجية وداخلية «متقطعة» للوصول إلى وقف إطلاق نار دائم، لا تزال آلة الحرب تحصد ما تبقى من مقدرات السودان، سواء على المستوى الإنساني أو المستوى المادي، ويبدو أن الوسطاء الخارجيين، ومع تعثر المفاوضات بين طرفي الصراع قد اتجهوا إلى العودة إلى فكرة العقوبات، ومطاردة مرتكبي جرائم الحرب السابقين في السودان.

أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية أحمد هارون، الوزير الأسبق، في عهد البشير، في برنامجها لمكافآت الإرشاد عن المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، حيث يقدم هذا البرنامج مكافآت تصل إلى خمس ملايين دولار، حيث أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في عام 2009 مذكرة توقيف في حق البشير، و18 من أعوانه، من بينهم مساعده أحمد هارون، حيث ارتكبوا جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في دارفور خلال عامي 2003 – 2004، وهرب هارون، وعدد من المسؤولين ورجال الأمن من سجن كوبر القومي، في الخرطوم، عقب اندلاع الصراع الراهن في 15 إبريل/ نيسان 2023.

وبعد ساعات من إدراج الخارجية الأمريكية لأحمد هارون ضمن برنامج مكافآت الإرشاد عن المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، قدم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، من العاصمة التشادية انجمينا، إحاطة إلى مجلس الأمن الدولي، أكد خلالها استنتاجاته وتقييمه حول الوضع في دارفور، حيث أشار إلى أن الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي ترتكب حالياً في دارفور، من قبل كل من القوات المسلحة، وقوات الدعم السريع والجماعات الموالية لها. وحذر من أن السودان يتجه إلى «نقطة الانهيار» في ظل استمرار القتال، وطالب المجتمع الدولي باتّباع نهج مختلف تجاه أزمة دارفور، حيث جاءت تقديراته عبر انخراطه في جمع المعلومات حول الانتهاكات من اللاجئين الفارين من دارفور، سواء خلال الحرب الحالية، أو الحرب الأهلية التي بدأت في عام 2003، وزار كريم خان، ومحققون في المحكمة الجنائية، عدداً من معسكرات اللاجئين والتي تصل إلى 14 معسكراً، في تشاد، وتضم أكثر من مليون لاجئ.

فقد أدت المواجهات العسكرية بين طرفي الصراع والانتهاكات التي تعرض لها السكان في ولايات دارفور، ومناطق أخرى، إلى مقتل الآلاف، وتشريد نحو مليونين، إلى دولتي تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى.

كما أكدت وزيرة الخارجية الألمانية في جولتها التي قامت بها مؤخراً، إلى كل من كينيا وجنوب السودان، ضرورة محاسبة المتورطين في الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في العديد من المناطق، وفي مقدمتها دارفور، وعدم الإفلات من العقاب.

تصاعد التهديدات

على الجانب الآخر، لم تهدأ آلة الحرب خلال الأيام الأخيرة، حيث استمرت المواجهات بين طرفي الصراع، بخاصة في مدن العاصمة الثلاث، وسط محاولات للجيش لاستعادة السيطرة على بعض مواقع الدعم السريع.

كما هددت المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع المواقع التاريخية، ومواقع التراث الإنساني، فقد وصلت المواجهات إلى جزيرة مروي المدرجة على قائمة التراث العالمي، والواقعة في ولاية نهر النيل في شمال البلاد، وحذرت ال«الشبكة الإقليمية للحقوق الثقافية» من خطر تضرر آثار مملكة كوش التي يزيد عمرها على 2300 سنة. وقالت إنها «تدين دخول قوات الدعم السريع للمرة الثانية لموقعي النقعة والمصورات الأثري».

وعلى صعيد آخر، تعرضت المنطقة الحدودية بين السودان وجنوب السودان، لهجوم مسلح في 28 يناير/ كانون الثاني 2024 أودى بحياة أكثر من 50 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، واثنان من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث تشهد ولاية الوحدة في جنوب السودان هجمات متتالية.

وسطاء جدد

ومع استمرار محاولات قائدَي الحرب في السودان البحث عن داعمين خارجيين لمواقفهما، والزيارات التي قام بها قائد الدعم السريع لست دول إفريقية خلال الشهر الماضي، ثم حديثه مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والذي أعلن عنه قائد الدعم السريع في 11 يناير/ كانون الثاني 2024، والذي أكد أنه تحدث معه عن انتهاكات الجيش وعرض رؤيته لإنهاء الحرب، جاءت الزيارة التي قام بها قائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان للجزائر في 28 يناير/ كانون الثاني، 2024 ولقائه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون، في إطار البحث عن وسطاء جدد، حيث تمثل الجزائر دولة محورية لها أدوارها البارزة، سواء على المستوى العربي، أو المستوى الإفريقي، ويبدو أن قائد الجيش لا يزال يشكك في الوساطة الإفريقية في الصراع، وفي هذا الإطار جاء القرار الذي اتخذته الحكومة السودانية بتجميد عضويتها في «الإيغاد».

وفي ظل حالة الغموض التي أصبحت تكتنف المشهد السياسي والأمني في السودان، وسط عجز الوسطاء الخارجيين، وكذلك القوى الداخلية المختلفة، عن إقناع طرفي الصراع بإجراء لقاء مباشر يعقبه اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، وما يصحب هذا المشهد من استمرار للتدهور الإنساني والمادي، فإلى أين تتجه الأزمة في السودان، حيث يظل الأمل معقوداً على الوسطاء الإقليميين، تساندهم القوى السياسية الداخلية التي تبذل جهوداً في سبيل إقناع طرفي الصراع بالتوقف عن الحرب وفتح مسار للحوار؟

*باحثة في الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات
صحيفة الخليج

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى