مقالات وآراء

السودان بانتظار لقاء البرهان وحميدتي

د. أميره محمد عبدالحليم*
على الرغم من استمرار المواجهات المسلحة بين طرفي الصراع في السودان، واجتياح قوات الدعم السريع لولاية الجزيرة في 15 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، والتي كانت بمنأى عن الصراع، ونزح إليها الفارون من الحرب، إلا أن تردد أنباء حول لقاء مرتقب بين قائدي الحرب عبدالفتاح البرهان، ومحمد حمدان دقلو(حميدتي)، وتأكيد منظمة «الإيجاد» ترتيبات هذا اللقاء، حمل الكثير من الأمل في أن يخرج السودانيون من كابوس الحرب.

ميدانياً، لا تزال المواجهات المسلحة مستمرة بين الجانبين حول سلاح المهندسين، وسلاح الإشارة، في أم درمان وبحري وفي شرق وجنوب الخرطوم، وحول سلاح المدرعات في جنوب العاصمة.

كما تدور معارك بين الجانبين في الأجزاء الشمالية والغربية من مدينة سنار، بعد أن تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، ذات الموقع الاستراتيجي، والأهمية الاقتصادية الكبيرة، حيث يمتد مشروع الجزيرة الزراعي العملاق بمساحة تُقدر بنحو 2.2 مليون فدان، مع إمكانية الوصول إلى ولايات في الشرق والغرب والجنوب، والتحكم في سلاسل الإمدادات، بعد انسحاب الفرقة الأولى مشاه التابعة إلى الجيش من دون وجود توجيهات بذلك. حيث تزايدت المخاوف من تمدد قوات الدعم السريع، نحو ولايات سنار والنيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، والقضارف وكسلا في الشرق، والنيل الأبيض جنوباً، بعد سيطرتها كلياً على ولاية الجزيرة بوسط البلاد.

تفاقم الأزمة الإنسانية

وفضلاً عما تسببت به الحرب خلال ثمانية أشهر من كوارث إنسانية تعجز التقارير عن إحصائها في ظل استمرار الاقتتال، حيث أصبحت السودان تضم أكبر أزمة نزوح في العالم، بعد أن اضطر 7.1 مليون من سكانها للخروج من منازلهم، وإلى جانب خروج أكثر من 70 من المستشفيات في مناطق الاقتتال عن العمل، وتعرّض المصابين إلى الأمراض المزمنة، وانتشار وباء الكواليرا، وحمى الضنك في عدد من الولايات؛ فقد جاءت سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، التي كانت تعد مركزا رئيساً لتجمع النازحين واللاجئين من دول مجاورة للسودان، لتفاقم من الأزمة الإنسانية، وأكد ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أن المعارك الأخيرة وسط البلاد أرغمت 300 ألف شخص على الفرار، حيث لا يعرف الكثيرين منهم إلى أين يفرون، في ظل الانتهاكات وعمليات السلب والنهب التي تُرتكب.

لقاء البرهان وحميدتي

وكانت العديد من الهيئات الإقليمية والشخصيات السياسية، بذلت جهوداً منذ اندلاع الصراع لعقد لقاء بين قائدي الجيش وقوات الدعم السريع، وقد أعلنت «الايجاد» أكثر من مرة عن محاولاتها لعقد هذا اللقاء، وجاء البيان الختامي للقمة الاستثنائية التي عقدتها في 9 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، ليشير إلى موافقة القائدين على عقد لقاء بينهما، إلا أن ردود أفعال من طرفي الصراع لم تبعث على التفاؤل بإمكانية عقد اللقاء، لكن التغريدات التي نشرها رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك على منصة (إكس)، وأشار فيها إلى أنه بعث برسالتين خطيتين إلى البرهان ودقلو، يطلب فيهما اللقاء نيابة عن تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)، بغرض التشاور حول السبل الكفيلة بوقف الحرب، ثم إعلان «الإيجاد» ترتيب اللقاء بينهما لفتح الطريق أمام طموحات وقف الحرب، وتبعاتها المادية والإنسانية. و أكدت «إيجاد» أنه تم الاتفاق على عقد اللقاء خلال يناير المقبل.

وأخيراً، يمكن القول إنه قد حان الوقت ليعيد طرفا الصراع في السودان التفكير في «خيار الحسم العسكري» للصراع، حيث تتفاقم الأزمة الإنسانية مع وجود مناطق يشتبه في أنها تتعرض للتطهير العرقي، في حين أصبح أكثر من نصف سكان السودان يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، واستمرار آلة الحرب في حصد الأرواح والممتلكات، من دون أن يحقق أي من الطرفين أهدافه من الحرب. فقوات الدعم السريع تتقدم في مدن وولايات بعيدة عن العاصمة، في الوقت الذي تطرح سيطرتها على أقاليم وولايات بعينها شبح التقسيم، وربما إذا نجحت القوى الإقليمية بقيادة منظمة «الإيجاد» في عقد لقاء بين البرهان وحميدتي، مع ممارسة بعض الضغوط على الطرفين لإيقاف الحرب، مع خفض الحرب الإعلامية، قد يؤدي ذلك لإنقاذ السودان من سيناريوهات كارثية تنتظره، خاصة في ظل الأطماع الخارجية التي تحيط به، وحالة الانشغال، الدولي والإقليمي، بالأزمات الأخرى، مثل الحرب على غزة، حيث تظل تسوية الأزمة في السودان في أيدي أبنائها الذين لابد أن يتعلموا من تجارب الدول الأخرى التي شهدت صراعات ومذابح دفعت شعوبها كلفتها الباهظة.

ويبدو أن قوات الدعم السريع تمهد لتكون جزءاً من المستقبل السياسي للسودان، وقد بدا هذا واضحاً في التصريحات التي أعلنها مستشار حميدتي، وعضو وفد الدعم السريع في مفاوضات جدة، فارس النور، مؤخراً، والتي أكد خلالها أن الوسطاء في منبر جدة قد أعدوا اتفاقاً لوقف النار، إلا أن الجيش رفض توقيع هذا الاتفاق، وعمل على إعاقته على الرغم من التقدم الميداني الذي أصبحت تتسم به قوات الدعم السريع. وشدد النور على أهمية بناء رأي عام يضغط في اتجاه وقف الحرب، هذا فضلاً عن قبول قائد قوات الدعم السريع حميدتي لقاء البرهان بعد تصاعد الرفض الشعبي لممارسات قوات الدعم.

ويبدو أن القبول الشعبي لمشاركة الدعم السريع في الجيش السوداني، أو التفاعلات السياسية المستقبلية في السودان ترتبط بقدرة هذه القوات على منع الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها بعض عناصرها، وقبولها للتحقيق في هذه الجرائم لمنع مرتكبيها من الإفلات من العقاب، وكذلك محاولة التقارب مع القوى السياسية السودانية، وتفعيل حوار مشترك معها في سبيل استئناف العملية السياسية التي اوقفتها الحرب منذ 15 إبريل/ نيسان الماضي، وقبل ذلك كله محاولة الوصول إلى تفاهمات مع الجيش السوداني، وقائده عبدالفتاح البرهان.

وجاءت زيارة «حميدتي» إلى أوغندا يوم أمس واجتماعه إلى الرئيس يوري موسيفيني لتعطي أملاً باجتماع قريب مع البرهان.

*باحثة في الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات
صحيفة الخليج

اقرا ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى