مقالات وآراء

عثمان ميرغني يكتب : في انتظار وزير الدولة بالمالية !

 

عصر أمس كان السيد مصطفى حولي وزير الدولة بالمالية، يتحدثُ لعدد من الصحفيين بمقر الزميلة صحيفة “المستقلة”.. قال إنَّ خلل الاقتصاد السوداني لا يقبل التجزئة والتبعيض، لأنَّه خلل في )الاقتصاد الكُلي(.. في هيكل الاقتصاد لا حواشيه..
سألته.. ومن يصنع ويرسم خطة )الاقتصاد الكلي(.. بصراحة أعطاني أكثر من إجابة حذرة لدرجة ساورني إحساس أنَّ السؤال لا إجابة له.. لكنه في النهاية رسا على أنَّ هناك جسماً اسمه )مجلس التخطيط الاقتصادي( هو المسؤول عن تصميم رؤية وسياسات )الاقتصاد الكلي(.. حاولت ملاحقته بأسئلة فرعية مثل ممن يتكون هذا المجلس؟ من يرأسه؟ متى كان آخر اجتماع له؟ وطبعاً الأسئلة سببها أنني لأول مرة أسمع بهذا المجلس..
السيد الوزير ردَّ بإجابات عجيبة… قال إنَّ المجلس يرأسه السيد رئيس الجمهورية.. وأنه يتكون من خليط كبير من الخبراء ورجال المجتمع السوداني والقطاع الخاص.. وسألته بالتحديد هل يعني ذلك أنه يضم العمد والسلاطين وبقية رجال الإدارة الأهلية.. فأكد ذلك..
ويا مؤمن يا مصدق.. رجعت إلى مكتبي وأضعتُ وقتاً طويلاً في البحث عن هذا المجلس عن طريق ماكينة البحث العظمى “قوقل”.. فلم أجد له أثراً.. ولا حتى في موقع وزارة المالية بشبكة الانترنت.. أقصى ما وجدته إدارة صغيرة في داخل وكالة بالمالية اسمها الإدارة العامة للتخطيط.. وطبعاً مثل هذه الإدارة الصغيرة موجودة في كل الوزارات والوحدات والهيئات الحكومية..
على كل حالٍ الوزير وعدني بمزيدٍ من المعلومات عن هذا المجلس .. وأرجو أن يفي بوعده..
في تقديري أنَّ المشكلة الأساسية في هذا البلد الأمين غياب المؤسسات الحاكمة واستمراء المجهود الفردي.. فكلما يتغير وزير أو مدير يذهب بخططه ويأتي خلفه ليبدأ من الصفر.. على رأي شاعرنا حسن الزبير في أغنية الفنان خوجلي عثمان )كل ما أقول قربت ليك تلقاني بادي من الألف(.. ومثل هذا المسلك يهزم فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على البناء التراكمي..
وربما هذا هو سبب تضارب الخطط الاقتصادية وتدويرها مع دوران المتعاقبين على وزارة المالية.. فيأتي علي محمود ويعقبه بدر الدين محمود ثم الركابي وأخيراً معتز، وكل وزير يحمل معه عقله وتفكيره الخاص.. وبالضرورة خططه الخاصة التي تذهب معه في آخر المطاف..
حسناً؛ حتى لا نغالط الوزير، دعونا نسلم جدلاً أنَّ هناك فعلاً )المجلس القومي للتخطيط الاقتصادي(.. وأنه معني بوضع رؤية وخطة وسياسات )الاقتصاد الكلي(.. يظل السؤال.. وهل التخطيط للاقتصاد الكلي منفصل عن بقية أجزاء الدولة؟
بعبارة أخرى إن كان الاقتصاد لا يحتمل التجزئة أو التبعيض ألا يعني ذلك بالضرورة، أنَّ الإطار الكلي للدولة نفسها لا يحتمل التجزئة، فلا يمكن التخطيط للاقتصاد الكلي بغير التخطيط الكلي على مستوى الدولة لكامل قوامها وإطارها العام.. وهنا يبرز السؤال الذي ظللت ألح على لفت الأنظار إليه.. وأين المجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي؟ الذي يفترض أن يكون صاحب امتياز بناء الخطة الإستراتيجية الكلية للوطن كله.. وليس للاقتصاد أو أي قسم منه..
إصلاح الدولة يبدأ من تأكيد وتعزيز دور المؤسسات.. ليس لضمان البناء التراكمي فحسب، بل ولزيادة ثبات السياسات ورشدها.. خاصة في مجال الاقتصاد، فهو مبني على المعلومات والتخطيط السليم لأطول فترة ممكنة..
على كل حالٍ أنا في انتظار السيد الوزير.. أين أجد مجلس التخطيط الاقتصادي؟ أين مقره؟.

التيار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق