غير مصنف

عبد الجليل سليمان يكتب : السياحة في “فتيل”

بجانب الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، يمتلك السودان مورداً اقتصادياً مهماً بل وبالغ الأهمية إذا ما تم استثماره بشكلٍ فعّال وتم التخطيط والتسويق له بشكل علمي مُخطط له بدقة. لكننا للأسف – ولأسباب عديدة – بعضها ذاتي وآخر موضوعي – أهملنا هذا القطاع الاقتصادي الحيوي الذي يعتبر الآن من أكثر القطاعات الاقتصادية ضخاً للأموال وطرحاً للوظائف في العالم قاطبة، ألا وهو قطاع السياحة.
ما إن تُذكر كلمة (سياحة) تتبادر إلى أذهان معظم السوادنة إهرامات الحضارة المروية، فيما الحقيقة أن السياحة المتصلة بالآثار والتاريخ ليست ذات جدوى كبرى بالنسبة لأنواع السياحة الأخرى، فموريشيوص مثلاً والتي تُعد أكبر دولة سياحية في أفريقيا، وكذلك كينيا، لا توجد بهما آثار وأهرامات، وحتى في مصر فإن أكثر من 90 % من السياح يعودون إلى بلدانهم دون أن يزورا الأهرامات وخلافها من الآثار التاريخية الأخرى.
إذاً، ما الذي يجذب السياح إلى مصر وموريشيوص وكينيا مثلاً؟ إنهما البحر والطبيعة، علاوة على الأمن والأمان والسلوك المتحضر للسكان المحليين. ونحن نمتلك ساحلاً بحرياً بكراً لم يستخدم بعد، كما في مصر مثلاً، حيثُ قلة من السياح تذهب إلى سواحل المتوسط، بينما السواد الأعظم يفضل سواحل البحر الأحمر (شرم الشيخ، الغردقة، مرسى علم …الخ).
لكن في مصر، هنالك بنية تحتية جيدة – مقارنة بالسودان – كما أن هنالك حرِّية مبذولة للسياح بموجب القوانين، بجانب الفنادق الرائعة والخدمة الجيدة، وهكذا في كل الدول، حتى السعودية أصدرت في سبتمبر الماضي ما يعرف بالتأشيرة السياحية بمقابل مالي رمزي، وطورت من القوانين وبذلت المزيد من الحريات في ما يخص السياح حتى المتعلقة باللبس وخلافه.
والحال هذه، يمتلك السودان ساحلاً بحرياً ساحراً ونظيفاً (غير مستهلك) على البحر الأحمر، كما يمتلك طبيعة خلابة ومتنوعة خاصة في جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق وشرق السودان، علاوة على صحراء الشمال الآسرة، والكثير من السياح يعشقون الصحراء من أجل التأمل.
ماذا ينقصنا إذاً؟
ينقصنا الكثير، فبجانب التخطيط والبنية التحتية المعقولة والخبرة اللازمة، نحوز أيضاً على ثقافة محتشدة بأطنان من الادعاءات الزائفة – للأسف – هذه الادعاءات ذات الطابع (الأخلاقوي) تعتبر العامل الرئيس في فقداننا لتفعيل وتنشيط أهم قطاع اقتصادي مُدر للدخل ومنتج للوظائف الدائمة والموسمية، ودون تخطينا لهذا الزيف فإننا سنحاصر السائح بحزم من القوانين المكبلة لحريته الشخصية وبالتالي نسهم في طرده من البلد ونخلق انطباعاً سيئاً عنا، فحتى السياح الذين يرغبون في زيارة الآثار التاريخية وعلى قلتهم، لن يأتوا مجدداً ما لم نبذل لهم من الحريات ما يجعلهم يعيشون حياة طبيعية كتلك التي في بلدانهم الأصل.
ما لم نبذل هذه الحريات، فلا سياحة ولا يحزنون، فالهدف الرئيس للسائح هو قضاء أوقاتاً ممتعة بعيداً عن بلد بهدف الترفيه واستشعار حالة من التغيير النفسي الايجابي والحصول على متع مختلفة ومقابل ذلك فهو مستعد لدفع الكثير من المال، لذلك فإن أكثر من (مليار ونصف) يطوفون العالم سنوياً طلباً للسياحة، وتتنافس كافة الدول للحصول على حصتها منهم، وقد كانت إيرادات مصر – على سبيل المثال – من السياحة لعام 2019 حوالى (12,6) مليار دولار، فيما نتسول نحن بضع مليارات لتحسين وضعنا الاقتصادي المائل.
وأخيراً، نحن دولة تمتلك مقومات السياحة، علينا فقط أن (نقعد في الواطة) وننظر إلى مصلحتنا الوطنية العليا والشخصية كذلك، ونعمل على تطوير هذا القطاع الاقتصادي الحيوي، حينها سنتمكن من توظيف ملايين الشباب والشابات ونحسن من مستواهم المعيشي ونجعل اقتصادنا أكثر استقراراً، وننفتح على العالم أكثر وأكثر ونخرج من عزلتنا وفقرنا وأوهامنا.

اليوم التالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock